آخر تحديث: 5 / 8 / 2020م - 8:27 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الرقابة على الكتب يا وزير الإعلام!

ميرزا الخويلدي * صحيفة الشرق الأوسط

هذا الجدل لن ينتهي..! وأعني به الجدل بشأن الرقابة على الكتب. أحيانا يبدو الأمر وكأنه «ديوان السبيل» في الأسطورة القديمة، فما دام لدينا موظفون بيروقراطيون يتسلمون الرواتب والبدلات لكي يراقبوا الكتب، فلا بد أن يشتغلوا بنبش هذه الكتب وقراءة ما بين السطور، والكشف على النيات، ومحاكمة الضمائر، ومصادرة وإتلاف ما لا يطيقون أو يريدون.

اختتم الثلاثاء الماضي في البحرين «مهرجان الأيام الثقافي العشرين للكتاب»، وكان الكثير من الذين عبروا الجسر لزيارة هذا المعرض واقتناء الكتب على موعد مع «الرقيب» عند عودتهم إلى المملكة، حيث تم مصادرة عدد من هذه الكتب دون توضيح.

الموظفون الرقباء الذين صادروا الكتب كانوا يعملون في وزارة الثقافة والإعلام. الوزارة التي تعهد الرجل الأول فيها معالي الدكتور عبد العزيز خوجة بحماية الفكر ومنع مصادرة الكتب، وخاض الوزير شخصيا جدلا واسعا لفرض معايير صارمة لحماية الفكر، فقبل ثلاث سنوات وتحديدا في «أغسطس «آب» 2010» وأثناء الجدل بشأن ما قيل عن منع رواية «ترمي بشرر» للروائي السعودي عبد خال، أعلن الوزير خوجة أنه أبلغ «إدارة المطبوعات في الوزارة بأن الأصل في النتاج الإبداعي والفكري والأدبي هو الفسح وليس المنع»، محددا لهم أربعة معايير «لا خامس لها»، وهي: أولا: الإساءة للذات الإلهية «بعيدا عن التأويل والتعسف». ثانيا: الإساءة للرسول الكريم «بعيدا عن التأويل والتعسف». ثالثا: الإساءة إلى المؤسسة السياسية في المملكة «بعيدا عن التأويل والتعسف». رابعا: الإساءة إلى الوحدة الوطنية: «التخوين - التكفير - العنصرية» «بعيدا عن التأويل والتعسف».

هذه المعايير تكشف رؤية راقية من وزير يرعى الثقافة، لكنها بحاجة إلى تفعيل. والانتهاء من الجدل السريالي بشأن واقع الرقابة الحالي، التي لا يتضرر منها فقط المثقفون العاديون، فالوزير يعلم - وقد ذكر ذلك - أن كتبا لوزراء سعوديين ظلت في دائرة المنع حتى تدخل هو شخصيا لفسح بعضها، من بينها كتب المرحوم الدكتور غازي القصيبي. وحتى بعض مؤلفات وزير الثقافة الدكتور خوجة لم يكن مسموحا، وهو قال: «لن أقوم بفسح دواويني ما دمت في موقع المسؤولية لأن هذا التصرف غير مسؤول ويعد استغلالا مشينا للمنصب.. وحين تنتهي مهمتي سأتقدم بطلب إلى خلفي في وزارة الثقافة والإعلام - إذا أمد الله في عمري - وله قرار فسحها من عدمه».

هذا يؤكد أن المسألة لا تتعلق بالخروج على المسلمات المجتمعية ولا المعايير التي ذكرها الوزير، فما من أحد أحرص على تلك المعايير الأربعة من رجال الدولة الذين حجب بعض الرقباء البيروقراطيين كتبهم.

قبل سنوات وضع الباحث السعودي منصور المشوح مؤلفا غاية في الأهمية حمل عنوان: «حكاية منع الكتب.. وقائع تاريخية ودوافع دينية وسياسية واجتماعية»، تتبع فيه بدايات المنع حتى وصل إلى أن تاريخ منع الكتب بدأ عربيا في عهد العباسيين سنة 167هـ حين «اجتهد المهدي «ت169هـ» في السعي إلى قمع الفلاسفة وتمزيق كتبهم، ثم عندما جاء الخليفة هارون الرشيد «ت193هـ» أمر فقط بسجن أهل علم الكلام، ثم جاء بعد ذلك المأمون «ت 218هـ» فأطلق للحرية العنان، فتمتع علماء الكلام والفلاسفة وغيرهم في أيامه بأجمل حسنات الحرية المطلقة».

غير أن كتابا آخر صدر عن «مشروع كلمة» في أبوظبي، حمل عنوان «الكتب الممنوعة» من تأليف الكاتب الإيطالي ماريو إنفليزي، تتبع المسار الشائك لحرية التعبير عن الرأي، مركزا على دور «محاكم التفتيش» التي كانت تمتلك أدوات غير محدودة لممارسة تأثيرها على الناس. ولم تتخلص أوروبا من هذا النزق الرقابي إلا بعد إقرار حرية النشر رسميا مع صدور «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» في باريس في 26 أغسطس عام 1789، الذي تضمن أن «تبادل الفكر الحر، والآراء، أحد حقوق الإنسان الأكثر تقديرا، ويحق لكل مواطن أن يتحدث ويكتب وينشر بحرية كاملة في ما عدا ما يعد تجاوزا، وفقا للحالات التي نصت عليها القوانين».