آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 12:08 ص

عالمنا رهين اهل القيم ام اهل المصالح؟

عام هجري جديد الذي فيه الدعاء للباري العزيز القدير ان يجعله عام خير وبركة وأمن وأمان لوطننا العزيز بالخير والبركة. يجد فيه حديث الهجرة المباركة، الحركة التي قفزت بالانسانية، حلقة من مسيرة الانسان التي تستحضر ذلك التزاحم بين الادارة بالقيم أم السياسة بالمصالح. والقضية في ابعادها الاساسية ما زالت ماثلة الا ان ادوات الصراع اليوم أكثر تعقيدا.

مثلت قصة القيم في مفهومها الفلسفي والتطبيقي أدوارا من الصراع الفكري والسياسي في التاريخ الاسلامي بلغت اوجها في مرحلة من الدولة العباسية بظهور المعتزلة حيث اصالة العقل للاخلاق عندهم التي كان لها ردحا من الحضور السياسي للتاريخ المعاصر لهم. فالاخلاق ثابتة لا تتبدل والحسن ما حسنه العقل والقبيح ما قبحه.

نعم قد لا ترى المدرسة المعروفة بالبراجماتية للقيم من دور في ضبط السياسة الا ان اهل المصالح يحتكمون لقيم صنعوها خلال مسيرتهم مضمونها ان شعار الاخلاق عامل مهم في خطاب السياسة كوسيلة فعالة في تحريك المجتمعات كغطاء مؤثر عن حقيقة غاياتهم.يؤكد الحضور الملح لمفهوم ادارة المجتمع لا ينفصم عن الاخلاق وابعاده القيمية. ان المسار الطبيعي في تلازم الاخلاق والسلطة وضرورة تزاوجهما كما يشير الي ذلك كانط في التشديد على ماهية الانسان الاخلاقية، هو الذي ينتهي بالانسان الي مرفيء الامان. وقد كان هذا المسار من المقبولات الطبيعية في التاريخ الا ان مع اوائل العصر الحديث يطل ميكافيلي - من جديد عبر المدرسة الفلسفية الفرنسية لتنقض اصالة الاخلاق. فهي ذات طابع مجازي يتغير مع تحول الاحوال. وهكذا يصبح هذا التتنظير مدخلا مهما لارساء ملامح السياسة الطلاق بين السلطة والاخلاق.

نعم قد لا ترى المدرسة المعروفة بالبراجماتية للقيم من دور في ضبط السياسة الا ان اهل المصالح يحتكمون لقيم صنعوها خلال مسيرتهم مضمونها ان شعار الاخلاق عامل مهم في خطاب السياسة كوسيلة فعالة في تحريك المجتمعات كغطاء مؤثر عن حقيقة غاياتهم.

فحقوق الانسان والقانون المدني ذات نسبية مقبولة في تبنيها الا ان في معظمها سلاح مؤثر لتمرير المصالح. ان المصالح لا تحتكم الي اصالة القيم، لنسبيتها في تحقيق المنافع عرضا.

لا ريب ان عالم اليوم يشهد هيمنة سياسة المصالح في ادارة القضايا العالمية. فالانفصام هذا هو غلبة طبيعية لاهل المصالح وانهزام اهل القيم لان اهل القيم يحكتمون للقيم في السلوك واهل المصالح يصنعون السلوك تبعا للمصالح. ويتضح المائز بين هذين الخطين في مقولة علي «ان الحول القلب يرى وجه الحيلة ودونها مانع من امر ونهيه فيدعها رأي العين وينتهزها من لا حراجة له في الدين». والحول القلب الذي لا ينقصه الذكاء والفطنه ولكن تقيده الغايات الاخلاقية.

فصرامة الاخلاق يبطيء المسيرة فيأتي اهل المصالح باسقاط المشاعر الانسانية من ضوابطها، فليس هناك عدو ولا صديق دائم ليتحرك اهل المصالح بخفة اذ لا ضوابط سلوكية ليصنعوا القناعة المطلقة السائدة اذا شئت النجاح فمصالحك مرجعيتك.

و يقف اهل القيم مكتوفي الايدي بمرجعيتهم الاخلاقية من جهة وهيمنة اهل المصالح محشورين في زوايا ضيقة. فاهل القيم اليوم هم اهل التنظير وخطباء المحافل لترطيب اجواء عالم المصالح الجاف وسدنة الجمعيات العالمية الحقوقية والمدنية التي بعضها صنيع اهل المصالح والقليل منه سلاحهم المعطوب. كيف لا يهيمن اهل المصالح وعالم اليوم ما فتأ يشهد هرولة اهل قيم لعالم المصالح الذي تجنى فيه الثروة حيث بحبوحة الدنيا ورحابة السطلة.