آخر تحديث: 27 / 9 / 2020م - 4:08 م  بتوقيت مكة المكرمة

سيرة بلدة عاشورائية

عباس الحايك

- 1 -

قبل استهلال شهر محرم، تتهيأ البلدة لعاشوراء، حيث تنزع عن شوارعها مظاهر العادية وتتشح بالسواد، ترفرف الأعلام، الحمراء والخضراء والسوداء، النابتة من جدران البيوت ومن أعمدة الإنارة، وترفرف معها العبارات المنقوشة عليها «يا حسين»، «يا أبا الفضل العباس»، «يا ساقي العطاشى»، أعلام على امتداد الشوارع وحتى الطرق الضيقة. وتتوزع اللوحات التي تذكّر بعاشوراء، والحسين وكربلاء، لوحات تنقل ما قيل عن واقعة الطف، ولوحات تنقل لنا أحاديث عن الرسول ﷺ وأهل البيت تحث على العبادات والارتباط بالله. ويبدأ الشباب المتطوعون بحركة دؤوبة بنصب المضيفات التي تقدم للعاشورائيين الطعام - البركة -، تتنوع الأطعمة من مضيف لآخر، يتفنن أحياناً أصحاب هذه المضيفات لتقديم المختلف من الطعام والشراب، أشبه بسباق للتبرك، فأصل الغاية التبرك والتقرب من الله بالحسين .

- 2 -

منذ وعيت والبلدة لم تتغير، تضج بالحياة لعشرة أيام، تسهر طويلاً، يجد الأطفال متسعاً من الوقت للهروب من قيود المدرسة وقيود الغرف المغلقة، يركضون، يلعبون، يتنقلون بين صفوف «المستمعة»، أو يشاركون الاستماع للخطباء الحسينيين، يتشحون بالأسود وبالعصابات التي تحيط جباههم وعليها عبارات حسينية.

حين كنت طفلاً مثلهم، كان يومي يبدأ باكراً، خاصة وأن بيت والدي بين مجموعة من الحسينيات الرئيسة في البلدة، كان معظم أهل البلدة يأتون لحينا، باكراً يبدأ الخطيب، نحضر لنستمع لروايته لأحداث كربلاء، كنت أنشد إليه وهو يروي ما جرى، فتنقلني الخيالات إلى هناك، مشاهد تتوالى عبر سرد يقترب حتى منا نحن الأطفال، كنا نتنقل بين الحسينيات، نحرز البركة ونشارك في موب العزاء الذي كان يجوب البلدة، ينتهي يومنا كل ليلة بإنهاك، لنعاود الأمر في يوم آخر. يوم الأطفال العاشورائي الآن لا يختلف مع بعض التغيير في النشاطات. الأطفال لازالوا يضجون بالحياة وهم يقتربون من الحسين حتى بلهوهم البريء.

- 3 -

لا تتوقف الميكرفونات طول اليوم عن بث المحاضرات، منذ الفجر وحتى منتصف الليل، حيث تملك البلدة ما أكثر من سبعين مأتماً، فيومها لا يهدأ، ويحال ليلها نهاراً، فكل معالمها تتغير فهي ليست سوى عشرة أيام تستحق كل العناء.

يتنوع الخطباء بين كل مأتم، ولكن لا زال أهل البلدة يميلون أكثر لمن يثير الشجن فيهم، ويهيج عواطفهم عبر الأبيات الحسينية، إذ لم تفلح المحاولات لاستضافة خطباء يركزون على المحاضرة العلمية على الخط، فالتجربة لسنة واحدة لن تتكرر ثانية، لدرجة أن الخطيب في المأتم الرئيسي لم يتغير منذ خمسة وثلاثين عاماً وفي نفس الحسينية، رغم أن يقدم لم يختلف منذ عرفه الناس هنا وارتبطوا به، لم يتغير مجلسه التي يبدأها بأبيات حسينية ومحاضرة ينطلق إليها من آية قرآنية ويختمها بالمقتل، فالشارع المقابل للحسينية لا زال يكتظ بالمستمعة الذين قد يتغير جدولهم اليومي إلا حضور مجلسه. هو ذاته كما كان، ربما لأنه يملك إمكانات قد لا يملكها غيره، فهو قادر على السرد، يشبه الحكواتي الذي يصور المشاهد بحرفية عالية، قادر على تهييج المشاعر بسرده لحكايات كربلاء المؤلمة، هو من يأخذنا إلى كربلاء على بساط الخيالات، فنراها مشهداً مشهداً، بلهجة قطيفية محببة، لهجة شفافة يغلفها بشجن عذب.

المعيار في البلدة للخطيب الجيد هو قدرته على التحفيز على البكاء، قدرته على استدرار الدموع بقصائد جديدة أو حتى مما حفظها الناس، الشجن الذي يغلف المحاضرة هو الضرورة وما عداه زائد.

- 4 -

العزاء الحسيني بدأ منذ سنوات طويلة، فالبدايات كانت بالعزاء القطيفي التقليدي، جملة تكررها فرقتان بالتوالي، فرقة تنشد وأخرى تضرب على الصدر، متوالية منتظمة، إيقاع منتظم يحفز المعزين على العطاء، موكب كان يجوب شوارع البلدة يشترك فيه الصغير والكبير، يتوقف عند الحسينيات المركزية، توقف المحارب، يستعيد المعزون أنفاسهم بالاستماع للخطيب والبكاء والخروج من طور العزاء، ثم يعاودون ما كانوا عليه بلا كلل مشمولين ببركة الحسين .

تغير نمط العزاء الحسيني في البلدة، بعد تأثر جيل جديد بالعزاء العراقي ومن ثم العزاء البحريني الذي اعتمد على القصيدة التي يلقيها الرادود ويردد المعزون في استراحتهم من ضرب الصدور مستهلاً ثابتاً، بدأ التغير بتوقف الموكب الجوال، فكانت الحسينيات مكان العزاء، رادود ومعزون، تطور النمط مع الوقت وخرج الموكب للشارع ليعاود جولته التي تنطلق من ذات الساحة التي لم تتغير منذ سنوات طويلة، رواديد مروا على الموكب توقف بعضهم، تغيرت الوجوه والأصوات، وأدوار من العمر برواديده ومعزيه.

موكب يجول الشوارع، بقصيدة طويلة غالباً ما تكون بالفصحى، لا تتناول كربلاء وحدها، بل تنطلق منها لقضايا سياسية واجتماعية، معزون مشدودون للقصيدة، يضربون صدورهم على وقع القصيدة، ضرب الصدور في المواكب الجديدة هو أشبه ما يكون بإيقاع يضبط لحن القصيدة، وكلما علا الإيقاع زادت حماسة الرادود، ليعطي القصيدة من روحه أكثر. يتوقف الموكب بالوقفات، هي قصائد قصيرة يشارك بها رواديد آخرون، بعدها يعاود الموكب جولته. بقي الموكب وحده ممسكاً بزمام العزاء لسنوات طويلة، والآن ازدادت المواكب، ولكل موكب رواده ومعزوه من المؤمنين بنمط ما يقدمه، فظهر عزاء الزنجيل الذي كان محصوراً في موقع محدد، ولكنه صار يجول أيضاً شوارع البلدة، لا يختلف كثيراً سوى أنه يعتمد على الزنجيل - سلاسل صغيرة مجمعة ومربوطة بعصا خشبية، يضرب بها المعزي على ظهره بدون إيذاء على وقع القصيدة - وعلى الطبول الضخمة لضبط الإيقاع، لم يكن لهذا العزاء في السنوات الماضية حضور، ولكن في الوقت الحاضر بدا للموكب حضور ملفت وعدد كبير من المعزين يأتون من خارج البلدة ويشاركون.

- 5 -

اليوم العاشر من محرم هو الموعد السنوي المنتظر لكل أهل البلدة لحضور الفعالية العاشورائية الكبرى، وهي تجسيد واقعة كربلاء، يحتشد في مكان «التمثيل» كما يطلق عليه الناس مئات من البشر حتى من خارج البلدة، يلتفون على ساحة الأداء، ليشاهدوا بقلوب منفطرة ما جرى على الحسين وأهله وصحبه من الجيش الأموي، حكايات الأصحاب والهاشميين الذين قدموا دماءهم فداء الحسين ، تجسيد يمتلك اشتراطات المسرح، نص وممثلون ومخرج، ومكان، ولكن الغاية ليست مسرحاً، الغاية إحياء شعيرة، المؤدون ليسوا ممثلين هم ممارسون للشعيرة.

بدأت هذه الشعيرة ببدائية وبساطة، خيول وحرق خيام وعزاء، ولكنها تطورت مع الوقت لتصبح على ما هي عليه، تحاكي بل تتفوق على ما يقدم في حواضر شيعية أخرى. الأطفال هم أكثر المشدوهين بما يشاهدون، هم من يشاهدون كيف قتل العباس والأكبر والقاسم ، وكيف حز نحر الحسين وأحرقت خيامه، يشاهدون ويسمعون، لا يتخيلون فقط، يقتنون كل سنة الدي في دي المصور لترافقهم عاشوراء طوال العام، فتترسخ في أذهانهم كربلاء. فنحن في زمن الصورة ولا بد أن تحضر كربلاء بالصورة.

- 6 -

شباب البلدة لم يتوقفوا عند تلك المظاهر التقليدية لإحياء عاشوراء، لم يكتفوا بالمنبر الحسيني، ولا العزاء، جربوا أن يبدعوا الجديد، بدأوا بتنفيذ مجسمات تحاكي الواقعة في زوايا عديدة من زوايا البلدة، ونفذوا مجسماً يحاكي مشهد الحسين والعباس في كربلاء، صار مزاراً لعشاق الحسين يدعون فيه لله أن يهبهم زيارة الحسين في كربلائه. كما نظموا مهرجاناً تجسدت فيه علاقة الفنون بعاشوراء، خطاطون، تشكيليون، نحاتون، مسرحيون، شعراء، اجتمعوا ليحييوا عاشوراء بطريقتهم الخاصة، يجسدون علاقتهم بالحسين بالحروف والألوان والأداء المسرحي، يجسدون عشقهم للحسين حسب شخصياتهم، حسب اهتماماتهم.

- 7 -

البلدة لا تختلف كثيراً عن باقي بلدات وقرى القطيف، الحسين يحضر في كل التفاصيل، أربعون يوماً والحسين يهمي على الأرض غيثاً سخياً، أربعون يوماً من حز رأسه الشريف، وحتى رجوع رأسه الذي طاف مدن الخيانة، أربعون يوماً وهو يفتح أبوابه للظامئين لفيضه، أربعون يوماً والحسين يربينا على المحبة، فهو عنوان المحبة لا عنوان اختلاف، يربينا رغم ما بنا من عجرفة وقسوة قلب. القطيف كلها في اتصال روحاني بالحسين ، كل بطريقته، كل بقناعاته، وكل بكيف يرى الحسين .

سيرة بلدتي في عاشوراء، سيرة القرى والبلدات العاشورائية التي نزعت ثوب العادية ولبست رداء الحداد.