آخر تحديث: 13 / 8 / 2020م - 3:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

ضد التمييز!

ميرزا الخويلدي * صحيفة الشرق الأوسط

لا أعلم لماذا أعود اليوم إلى رواية «الجذور» التي كتبها «أليكس هيلي» ونشرها عام 1976. وهي رواية تحفر في نفس قارئها أخدودا من الألم والمعاناة بقدر ما حفرته في الأفارقة العبيد الذين جرى شحنهم في السفن من القارة السمراء إلى العالم الجديد، في رحلة العذاب المرير، حيث بيعوا في أميركا كعبيد. لقد توارث الأجيال عبر السنين الألم والقهر، واحتشدت ذاكرتهم الجماعية بصنوف المعاناة وقسوة الظلم.

ومع تحول هذه القصة إلى فيلم أمكن لملايين الناس أن يشاهدوا فظاعة السلوك العنصري، وأثره المدمر على النفوس، نفوس الضحايا ونفوس الجلادين.

ثمة فيلم آخر شاهدته مؤخرا، اسمه «ذا باتلر»، وهو فيلم آخر يصفي تركة التمييز العنصري، يروي سيرة كبير الخدم في البيت الأبيض الذي كان يعمل بجد وإخلاص بينما هو يلتوي ألما جراء التمييز الذي يعاني منه هو وأبناء جلدته، فقط لكونهم من لون مختلف. لقد شاهد الخادم في صباه أمه تغتصب ووالده يقتل في حقل كان يعمل به بنظام السخرة، ومع ذلك لم تلوث نفسه بالحقد والكراهية. يقولون إن الرئيس الأميركي باراك أوباما ذرف دمعا وهو يشاهد هذا الفيلم. ربما لأن الفيلم حرك في داخله مشاعر تنتمي إلى تلك الجذور الملتهبة بالمعاناة والقهر.

رغم فداحة التجربة التي مرت بها الولايات المتحدة، وكان أبشع محطاتها تجربة التمييز العنصري، فإن الكثير من الأعمال الروائية والسينمائية أمكنت من تظهير الواقع وكشفه لتبدو «العنصرية» عارية ذميمة وكريهة، كما هي دون تلبيس بلباس ديني أو آيديولوجي أو فلسفي.

بعض الأعمال مثل رواية «كوخ العم توم» التي كتبتها الروائية الأميركية والناشطة ضد العبودية هاربيت بيتشر ستو سنة 1852، أصبحت علامة مميزة في الأدب العالمي، فهذا الكتاب حقق أكثر الكتب مبيعا في التاريخ، وساهمت الرواية في تعميق الوعي بخطورة نظام العبودية والرق، وكانت سببا في إلغاء قانون الرق. وهو ما لم يكن سهلا، حيث قاوم أصحاب المصالح هذا التغيير وبسبب الإلغاء اندلعت الحرب الأهلية الأميركية بين الشمال والجنوب.

ورغم أن العبودية والرق وما نجم عنهما من نظام التمييز العنصري وجد من يكافحه من المهاجرين البيض الذين حكموا الولايات المتحدة، وكان الرئيس أبراهام لينكون في طليعة من تصدى لهذا النظام، فإن العبء الأكبر وقع على كاهل المقهورين العبيد وأبنائهم الذين حملوا هم مكافحة التمييز والدعوة لحقوق مدنية متساوية، وقدموا من أجلها التضحيات. ومن يمكنه نسيان الشابة السوداء روزا باركس التي أطلقت شرارة مكافحة التمييز العنصري حين رفضت التخلي عن مقعدها في حافلة عمومية لشخص أبيض؟ لقد أدت بسالة هذه الطالبة إلى خروج الصامتين عن صمتهم والصراخ بـ «كفى» في وجه سياسة التمييز المجحفة، ونشطت حركات الحقوق المدنية، التي قاد واحدة منها القس مارتن لوثر كينغ صاحب نداء «لدي حلم» الشهير، إلى أن أسفرت في النهاية عن صدور قانون الحريات المدنية عام 1964 الذي يحرم التمييز على أساس العرق في أميركا.

اليوم الولايات المتحدة أكثر جمالا وحداثة، ليس لأنها الأولى صناعيا، ولكن بسبب كونها في طليعة الدول التي تعلي قيمة الإنسان وترفع من حقوقه وكرامته.

إنها دعوة لكل الذين ما زالوا يمارسون التمييز على أي أساس كان، إلى الوعي بأننا نبقى خارج الزمن، وخارج العائلة الإنسانية، ما دمنا نمارس هذا السلوك الشائن.

لقد أمكننا اليوم أن نشاهد العنصرية وما فعلته في أصحابها أولا وكيف حولتهم إلى وحوش متسلطين، وفي الضحايا وكيف عمقت داخلهم الإحساس بالاضطهاد والقهر، فالتمييز على أساس اللون أو العرق أو العقيدة ليس مجرد سلوك يتسم بالاستعلاء فقط، ولكنه أيضا انزلاق نحو الظلم وزرع الكراهية واحتقار الإنسانية.. وهو لا ينتج إلا الخراب.