آخر تحديث: 22 / 1 / 2020م - 8:44 م  بتوقيت مكة المكرمة

بين كلاشنيكوف وستيف جوبز

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

قبل نحو شهر، توفي ميخائيل كلاشنيكوف، الرجل الذي اخترع للعالم البندقية الهجومية التي عرفت باسمه، وقبله بعامين توفي ستيف جوبز الرجل الذي قدم للعالم جهاز «الماكنتوش»، وثلاثية: «آيبود» و«آيفون» و«آيباد». لقد كان كل واحد من الرجلين يطمح إلى أن يقدم للبشرية ما يسعدها.. لكن الآمال وحدها لا تصنع السعادة، والنوايا الطيبة لا تقود بالضرورة إلى نتائج طيبة.

الفرق بين المنتجين، هو فرق بين ثقافتين: ثقافة تبتكر في مجال الموت، وأخرى توفر للناس مجالا للرفاهية والتواصل. مع أن الأمور لا تبدو مثالية دائما، فربما أراد الأول من صناعته البندقية أن يوفر الأمن لأسرته وبلاده، وأراد الثاني أن يتربع على عرش البرمجيات ويهيمن على السوق.

لكن، ما هو مهم أن الأثر الذي تركه ستيف جوبز كان قويا ومتماسكا، فمنذ أن أطلق أول نسخة من الهاتف الجوال «آيفون» في 9 يناير «كانون الثاني» 2007 أصبح العالم أكثر قربا وتواصلا. وما هو مهم كذلك أن ثلاثية ستيف جوبز زرعت الأمل بقدرة الناس على اجتياز العقبات للوصول إلى مصادر المعرفة، والحقيقة، وعبور الحدود للتلاقي، وتخطي الأسوار للتعارف.

وفي المقارنة، كانت المائة مليون نسخة من بندقية كلاشنيكوف التي صنعت من أجل الأمن، تسهم أيضا في تمزيق أشلاء البشر وتفتيت أواصرهم، كما تساهم في زرع الخوف وبث الرعب وتشريد الأبرياء، فهي عجزت عن توفير الأمن الذي هو النقيض الطبيعي للخوف.

ولذلك، فإن المبررات ليست مهمة، فكل واحد يستطيع أن يقدم مسوغات لكل فعل خير أو شر يقوم به. ما هو مهم في الواقع، هو النتائج التي لا تقبل الجدال. فكل الرجال الذين قادوا الحروب وأثاروا الفوضى وقسموا المجتمعات ونشروا الخراب، كانوا يبررون أفعالهم بالمبادئ والأهداف النبيلة: قومية أو دينية. لكن تلك الأهداف كانت تخفي وراءها جنون العظمة وطموح السلطة، ولم تحقق سوى نزيف الأدمغة والدماء.

لقد أصبحت تلك الشعارات والقضايا الإنسانية مجرد مطايا يركبها الطامحون لتحقيق مصالح خاصة أو حزبية. فاليوم هناك من يتدثر بالقضايا العادلة لكي يقدم خطابا يكرس العصبيات ويحرض على الحروب والنزاعات والكراهيات والفوضى والخروج على الدولة وخرق النظام والقانون.

وإذا كان محتوى الخطاب إقصائيا ومتخلفا ولا يمت إلى العصر بصلة، فإنه يتوسل بكل منتجات الحداثة لكي يصل للجمهور ويؤثر فيهم. فأصحاب هذا الخطاب لا يعتمدون فقط على أدواتهم التقليدية، بل يستخدمون أحدث تقنيات العصر في التواصل التي ابتكرها رجال أمثال ستيف جوبز وتيم بيرنرز لي مخترع «الإنترنت»، ومارك زوكربيرغ مبتكر موقع «فيسبوك»، وجاك دورسي مخترع «تويتر»، كأدوات لتوصيل خطابات لا تنتمي سوى إلى ثقافة كلاشنيكوف.

هي واحدة من المفارقات العجيبة، فمنصات البث الرقمي الحديث التي يفترض فيها أن تكرس ثقافة معاصرة وتوفر أدوات للتفكير الحر، وخلق جسور للتواصل، يجري استخدامها في تكريس خطاب ماضوي يروج للانعزال والإقصاء.

لقد رحل ميخائيل كلاشنيكوف كما رحل ستيف جوبز، وبقيت آثارهما على الأرض، كل واحدة منهما تمثل طريقا له سماته الثقافية والأخلاقية.