آخر تحديث: 22 / 1 / 2020م - 9:09 م  بتوقيت مكة المكرمة

قبيلتنا السيبرانية

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

يمثل السعوديون الشريحة الأكثر نشاطا على شبكات التواصل الاجتماعي، وخاصة «تويتر»، حيث تذكر دراسة أعدها موقع «بيزنس إنسايدر» أنهم يمثلون نحو 41 في المائة من المستخدمين النشطين في هذه المدونة من بين سكان العالم. وهم يتفوقون حتى على الولايات المتحدة التي بلغت نسبة مستخدمي «تويتر» من مجموع مستخدمي الإنترنت فيها 23 في المائة فقط، وكذلك الصين التي لا يغرد فيها سوى 19 في المائة من مستخدمي الإنترنت. وبحسب هذه الدراسة فإن السعودية تتصدر دول العالم في عدد الأشخاص الذين يستخدمون «تويتر» نسبة إلى السكان حيث يبلغ عددهم 4.8 مليون.

ولذلك فمن يفتقد السعوديين في المنتديات الثقافية فليتجه إلى العالم الافتراضي، هناك «قبيلة ثقافية» افتراضية عابرة لكل الحواجز القبلية والفكرية والطائفية الراهنة. وهناك مجموعات من الناس يتواصل بعضهم مع بعض دون روابط تقليدية، هم ليسوا حزبيين أو منظمين، ولا تجمعهم بالضرورة مصالح محددة، ولا يتفقون في كل آرائهم، ولكنهم لا يعدمون الحيلة لإيجاد فضاء مشترك يقرب بين أفكارهم.

ونقاشات السعوديين في وسائل التواصل الاجتماعي متنوعة ومتعددة ومتباينة، بعضها ثري وجاد وجريء ومنتج، وبعضها «لزج» وخامل وتقليدي. لكن المهم أن مجموعة بشرية تنتشر في كل أرجاء الأرض التي ينتمون إليها وهم من أصول متعددة ثقافيا ودينيا يشتركون في الحديث عن قضية واحدة قد يختلفون أو يتفقون في تناولها.

يكتشف كل واحد منهم أن شريكه في الوطن يقاسمه ذات الهموم، ويحمل معه نفس الأعباء، ويشتكي من ذات الأوجاع، ولديه طموح لمستقبل يشابه ما يطمح إليه شريكه الآخر.

يوفر «تويتر» وعموم الفضاء الإلكتروني وسيلة للمعرفة، لكنه يوفر بشكل أهم وسيلة للتعبير عن الرأي، ولذلك فإن النقاشات تحتدم هناك تعبيرا عن آراء لا يوجد فضاء حقيقي لاستيعابها.

فلم يتوفر للكثير من الشباب في قاعات الدراسة والجامعات والمنتديات الثقافية وعبر وسائل الإعلام فرصة ليعبروا عن آرائهم في قضايا تمس حياتهم وتمس أنماط تفكيرهم وقناعاتهم، كما أن الغالبية لم تتح لها فرصة للحوار مع الآخر المختلف، هي لم تتعرف عليه أصلا ولم تقرأ أفكاره إلا بهدف مقارعته والرد عليه.

لم نتعلم جميعا كيف نتواصل، وكيف نتعارف، وكيف نختلف، وكيف نعبر نحو الضفة الأخرى لكي ننقب عن أشخاص طبيعيين يشاركوننا في الهم الثقافي والوطني، ولم نفتش عن روابط جامعة ومشتركات توحد بيننا، وفي غياب للمؤسسات المعنية كان الفضاء «السيبراني» مكانا حاضنا لمثل هذه النقاشات.

على أنه لا يمكن إغفال أن هذا الفضاء بما يحتوي من فرص للتواصل والتعبير الحر، فإنه يكشف العيوب التي تعتري ثقافتنا، وأهمها إعادة إنتاج الخطاب السائد التبريري الرافض للنقد بما يحمل من عصبيات قبلية وطائفية وعنصرية. هذا الخطاب يقابله خطاب آخر يسعى إلى الحوار وتناول القضايا المسكوت عنها في ثقافتنا، بكل مسؤولية والتزام، رغبة في إطلاق العنان أمام الجميع لكي يعبروا عن آرائهم بحرية ومسؤولية.

والحقيقة أن هناك «فائضا» في منسوب الكلام الذي نطلقه عبر وسائل التواصل، فنحن الأكثر نشاطا عبر «تويتر» على المستوى العالمي، وهذا يدل على أن لدينا الكثير مما نقوله ومما نفكر فيه، وهو مؤشر إيجابي لمستوى الاشتغال بالشأن العام، والمساهمة في صياغة المستقبل.