آخر تحديث: 14 / 7 / 2020م - 10:08 م  بتوقيت مكة المكرمة

الشيعة والمعادلة المحلية والعالمية

سلمان محمد العيد

إذا ما أردنا توصيف ظاهرة ما في الوسط الشيعي في السعودية، فإننا في الغالب لانفصلها عن الواقع المعيشي الذي تتأثر به الطائفة من خلال ارتباطها باطارها المحلي والاقليمي، والقومي والديني والمذهبي. فالشيعة هم كائن بشري يتأثر بكل تقلبات الحياة في المعمورة، يزداد هذا التأثر كلما زاد مدى الاقتراب الجغرافي والثقافي.

فالشيعة – أولاً – جزء من الشعب السعودي في وطن اسمه المملكة العربية اسعودية"، فكل أبناء الشيعة في المنطقة الشرقية يحملون الجنسية السعودية ولا توجد في أوساطهم فئة الـ"بدون" جنسية، والموجودة في كل من الكويت وقطر، وبعض أجزاء من السعودية في غير القطيف والأحساء، كما لايوجد بينهم من يوصم بأن أصله من غير هذه المنطقة الا القليل، لايقارن بما هو الحال في كل من البحرين والكويت حيث توجد فئات تحمل الجنسية المحلية لكن أصولها من ايران مثلاً، أو كما هو الحال في المنطقة الغربية إذ توجد فئات سعودية لكنها من أصول افريقية، أو آسيوية، أو يمنية، وتتضح تلك الأصول من الأشكال كالسمرة الغامقة، أو الحمرة الفاقعة، أو الاسم كالصيني والهوساوي والزبرماوي والبخاري... الخ.

وهذه النقطة تعطي الشيعة دافعًا حقيقًا للتمسك بالأرض، والشعور بشيء من التميز، خاصة في ظل حالات الفرز الطوائفي والعنصري الموجودة بين ابناء المجتمع السعودي، المتشبع من هذه الاخلاقيات، والتي تبلغ حد التفاخر في بعض الأحيان، واستصغار الطرف الأخر، واستهجانه في أحيان أخرى، وربما تصل إلى حد ممارسة الظلم الاجتماعي، وبالطبع لا يخلو المجتمع الشيعي من بعض هذه الظواهر.

والشيعة وهم جزء من النسيج الاجتماعي السعودي ورغم حاكمية النظم العامة على جملة تحركاتهم وحياتهم اليومية، إلا أن نظامهم الاجتماعي قد يكون مغايرًا عن نظام غيرهم من المواطنين في المناطق الاخرى، وذلك من ناحية القبلية، فالكثير من المواطنين ينحدرون إلى أصول قبلية، يعرفونها ويفخرون بانتمائهم لها، بعكس الشيعة فهم محكومون بعلاقات عائلية تختلف كثيرًا عن الحالة القبلية من كافة النواحي ابرزها القلة والكثرة العددية. هذا فضلا عن التمايزات الاخرى التي تتيح شيئًا من التعالي لدى ابناء القبائل الكبيرة على غيرها وعلى هذا الصعيد هناك ما يشابه ذلك في الوسط الشيعي ولكن بدرجة أقل.

وفيما عدا ذلك، وباستثناء اللهجات المحلية فإن الشيعة في السعودية يحملون كل الصفات التي يحملها الشعب السعودي، بحكم أن الجميع خاضع لنظام سياسي واحد، وتدار حياتهم ومنظومة علاقاتهم اليومية وفق آلية متقاربة، وجميعهم – الشيعة وغيرهم – خضعوا إلى ظروف موضوعية واحدة، مثل التقلبات الاقتصادية. وهذا التشابه نسبي إذ خلق الناس مختلفين في كل شيء، في أشكالهم وألوانهم، وامزجتهم، وطرائق عيشهم... الخ.

عدا أن سمات عامة يتصف بها معظم السعوديين – بمن فيهم الشيعة – ترد في هذا المجال وربما لا يختلف عليها احد، وإذا ما وردت في أي موضع فهي تنطبق على الجميع بلا استثناء.

من هذه الصفات هي حالة (المحافظة) في التدين والالتزام، فالكل يقدس القيم الدينية، ويحترم المقدسات والتعاليم الإسلامية، ويرى ضرورة تعميق الوازع الديني، وفي كثير من الأحيان تجد المنطلقات الدينية هي الأساس في كثير من السلوكيات، وإذا جئنا إلى الشيعة فأن معظم (ان لم نقل كل) مناسباتهم الاجتماعية، الحزينة أو البهيجة تعود إلى أصول دينية، مثل مناسبة القرقيعان، التي يراها اتباع المذهب السلفي بدعة يحرم القيام بها، فإن الشيعة يحتفلون بهذه المناسبة كونها تصادف ميلاد الإمام المهدي المنتظر في منتصف شعبان، وميلاد الإمام الحسن في منتصف رمضان. هذا بالإضافة إلى المناسبات الأخرى التي كلها مناسبات دينية خالدة مثل ذكرى الإسراء والمعراج، أو ذكرى ميلاد أو وفاة النبي ﷺ وغير ذلك.

إن التدين سمة المجتمع الشيعي في السعودية – كما هو الحال لدى غيرهم – لذا نجد أن تقديس رجال الدين هي أحد أبرز سمات هذا المجتمع، والتي يراها البعض سلبية تنطوي على مبالغات معينة، لكنها – في الواقع – لم تصل إلى هذا المستوى إلاّ نتيجة طبيعية من ارتباط هذه الطائفة بدينها، الذي هو مصدر الكثير من السلوكيات، التي لا تخلو بعضها من تزمت أو حتى سذاجة، في بعض الحالات، أظن إننا لسنا بحاجة لمزيد من التفاصيل.

ومن مصاديق المشابهة بين الشيعة وغيرهم من ابناء المجتمع السعودي، إنهم جميعًا تعرضوا لتقلبات وتطورات اقتصادية واحدة، لذا نجدهم جميعًا يحلمون الثقافة الإستهلاكية، التي من أصدق مصاديقها التكالب على منتجات الامم الاخرى، وتضاؤل صفة المبادرة والإبداع التقني، ما أفرز ثقافة خاصة أطلق عليها في زمن ما بـ"ثقافة البترودولار" والتي تعتمد التقييم المادي في كل شيء، وباتت قيمة كل أمريء ما يملكه من أدوات ومقتنيات، وإذا كانت المفاخرة على أسس قيمية في وقت ما، فإنها بفعل ثقافة الاستهلاك باتت على أسس مغايرة لذلك. ورغم أفول الطفرة النفطية الأولى، ومجيء فترة الكساد الاقتصادي وما نتج عنه شيوع البطالة في المجتمع، إلا أن مخلفات الطفرة وثقافتها لم تتغير ولم تتبدل، بل أخذت بعدًا اكثر سلبية من السابق، حيث ظهرت لنا فئة راغبة في الثراء السريع بطرق ملتوية أو غير مستقيمة، مثل تهريب المخدرات والمسكرات والمحرمات والممنوعات، وشاعت خلال العشرين سنة الماضية فئة من الشباب السعودي (بينهم عدد كبير من الشيعة) يعيثون رفاهية فاحشة على حساب جهود غيرهم، كأن يعيش بالديون والأقساط، أو بالاعتماد على العمالة الوافدة التي تعمل بكل حرية في مجالات معروفة وغير معروفة، تحت غطاء قانوني توفره هذه الفئة من المواطنين، وهو ما اصطلح عليه بـ"التستر".

ورغم سلبيات فترة الكساد التي استمرت من منتصف الثمانينات الميلادية حتى مطلع الألفية، وما أفرزته في المجتمع من بروز تلك العينات سابقة الذكر، ومن تفشي مرض البطالة، إلاّ أن ثمة ايجابيات ظهرت في المجتمع يمكن رصدها في الوسط الشيعي بوجه خاص، منها شيوع ثقافة تقدس العلم كخيار هو الأفضل للحصول على وظيفة مرموقة، تحقق العائد المادي الأفضل، لذا وجدنا خلال فترة الكساد زاد عدد المعلمين الشيعة بصورة لم تكن من قبل، وتضاءل عدد الذين يكتفون بالشهادة الابتدائية والمتوسطة والثانوية، لاعتقادهم الجازم بأن هذا المؤهل لا يحقق لهم الرفاه المادي التي يتطلعون اليه، إذ أن الفرص الوظيفية محدودة لهذه الفئات أو حملة هذه الشهادات.

ومن تداعيات تلك الفترة مجالات عمل كانت غير مرغوبة، ويعتبرها البعض مشبوهة وتنطوي على مخالفات شرعية، أو أنها مهن غير لائقة اجتماعيًا، هذه المجالات باتت مقبولة، وصارت يستقطب عددا كبيرًا من الشباب والشابات، وأبرز الامثلة على ذلك هي العمل في المستشفيات والمراكز الصحية بالنسبة للعنصر النسوي، والعمل في المصانع والمعامل والورش، أو العمل في مواقع الاستقبال والحراسة الأمنية... الخ.

هذا فضلاً عن أن العديد من الشباب السعودي بات يبتكر لنفسه مهنًا تدر عليه عائدًا ماديًا، متجاوزًا بذلك الظروف المحيطة به، ومن أبرز تلك المهن:نقل الطلاب والطالبات والمعلمات والموظفات، والتوجه للعمل الحر وانشاء مشروعات اقتصادية صغيرة اعتمادًا على مجهودات ذاتية، فظهرت لدينا عدد من مؤسسات المقاولات، والمؤسسات التجارية، وورش صيانة السيارات، وورش النجارة والحدادة، وورش التكييف والتبريد، والعمل في الصيد، ورغم الخلل الكبير التي تعاني منه هذه المشروعات من حيث غياب العمالة الوطنية، إلاّ أن ثمة حضورًا للعنصر الوطني، من قبيل الإدارة والإشراف، والعمل المباشر أيضًا، وربما كان الشيعة اكثر ايجابية وتقبلاً للعمل اليدوي من غيرهم، حتى أن وزير الداخلية الأمير نايف بن عبدالعزيز اشاد بتواجدهم لدى زيارته لأحد المصانع الوطنية في الدمام، واعتبر ذلك المصنع نموذجًا للسعودة والتوطين، ودعا المؤسسات الاخرى لان تحذو حذو ذلك المصنع.

على ضوء ذلك يمكن القول بأن الطفرة الاقتصادية والكساد الاقتصادي طالت الجميع، وأفرزت سلوكيات وردات فعل من قبل جميع ابناء المجتمع في المملكة، عدا أن الشيعة ورغم تأثرهم الواضح، كان لهم مواقف خاصة تجاه تلك التقلبات الاقتصادية منها ما هو سلبي ومنها ما هو ايجابي، تدل بما لايقبل الشك ان الشيعة مجتمع ينبض بالحيوية، ويكن أن ينتج حتى في ظل واقع غير مشجع ويمكن أن يتحول هذا المجتمع إلى عنصر اكثر ايجابية لخدمة التنمية والوطن..

والشيعة – ثانيًا – جزء من المجتمع الخليجي، إذ يلتقي الطرفان في الكثير من الصفات والعادات الاجتماعية، والطبائع وانماط المعيشة، وليس من قبيل المبالغة إذا قلنا أن شيعة السعودية يتفاعلون مع أبناء قطر والكويت والبحرين والإمارات وعمان اكثر من تفاعلهم مع أبناء الرياض والقصيم وجازان وحائل، إذ أن هناك روابط عائلية بينهم، لعب البعد الجغرافي والتاريخي دورًا كبيرًا في ذلك، وقد انعكس ذلك على ثقافة الإنسان الشيعي، ومستوى معارفه. ولعلنا نتذكر فترة ما قبل دخول الستالايت أن المناطق السعودية كلها لاتحظى بمشاهدة تلفازية لغير قناتي السعودية الأولى والثانية، يضاف لهما قناة الظهران التي أغلقت قبل سنوات، بينما مواطن المنطقة الشرقية كان ينعم بمشاهدة معظم القنوات التلفازية الخليجية، وبعضها كان يعرض برامجه عن طريق اكثر من قناة مثل قنوات دولة الامارات العربية المتحدة، وهذا – بكل تأكيد – له آثاره على نمط التفكير ونمط العلاقات، إذ لابد أن يكون هناك فرق بين مواطن يتلقى معارف وأفكارا وطروحات من عدة جهات، وبين مواطن آخر محدود التلقي على قناة واحدة للتوجيه.

وربما كان هذا الافتتاح بين المواطن السعودي في المنطقة الشرقية ونظرائه في دول مجلس التعاون سببًا في حدوث خلل في العلاقة بين الشيعة والجهات الحكومية المحلية، إذ بحكم إطلاعه على أوضاع قرنائه الخليجيين يقوم بالمقارنة بين وضعه واوضاع تلك الشعوب، سواء على الصعيد المادي، أو على الصعيد المعنوي، فيحدث أحيانًا الغبن والغيرة والاستياء لدى المواطن السعودي في المنطقة الشرقية   إذا ما رأى أن حال تلك الشعوب أفضل من حالة، وان أوضاعهم اكثر ايجابية من وضعه، ويتضايق كثيرًا إذا ما رأى وضعَا ماليًا، أو خدمة اجتماعية متوافرة في بلد خليجي ولا تتوافر لديه، مع أن امكانيات بلده لا تقارن بامكانيات أي دولة خليجية اخرى.

وربما كان الوضع العام في دول التعاون وانفتاح الشيعة على معطياته بالتفصيل أحد بواعث عدم الرضا لدى الشيعة على وضعهم. إذ لا يتصور أن اكثر من نصف شباب الشيعة – كما هو حال باقي المواطنين – لا يملك منزلاً، في حين ان مثل هذه المشكلة غير موجودة في العديد من دول الخليج، ولا يقبل المواطن في هذه الحالة فكرة ان المساحة الجغرافية هنا اكبر، إذ أن الجواب الجاهز هو، "امكانياتنا المالية أكثر"!

والشيعة – ثالثًا – يدخلون ضمن النسيج العربي بمعنى أن كل شيعة السعودية عرب، من قبائل وأصول عربية معروفة، فهم يتحدثون اللغة العربية، ويؤلفون ويكتبون الشعر العربي، ويحملون صفات الشهامة والكرم وجملة الاخلاقيات العربية مثل باقي العرب في مصر وسوريا والعراق واليمن وغيرها.

وعروبة الشيعة تعني انتفاء مقولة الأصول الفارسية، أو غير العربية التي يروج لها البعض بين فترة واخرى، وسبقت الاشارة إلى أن الشيعة ليس من بينهم من أصوله افريقية أو آسيوية أو أوروبية، وبالتالي فالترويج لمقولة الأصل غير العربي تتهاوى هنا إذا عرفنا عروبة الشيعة، ولسنا في وارد اثبات ذلك في هذا الموقع.

فالشيعة – بموجب اصلهم العربي – يتفاعلون كثيرًا مع القضايا القومية الكبرى، ويأملون في أن تكون لهم مساهمة في دعم هذه القضايا، مثل الوحدة العربية، وقضايا المجتمع المدني كالحرية والديمقراطية والتنمية الشاملة... الخ.

فالشيعي في السعودية يجد نفسه متفاعلاً مع تلك القضايا التي هي قضايا امته الخالدة. وربما كان تفاعله مع القضايا القومية مخالفا للسياسة العامة للدولة - في بعض الاحيان – وقد جرت خلال التاريخ الحديث عدد من المواقف كان للحكومة تتتبنى موقفًا ما، بيد أن بعض الشيعة يتبنون موقفًا آخر، انطلاقًا من روح قومية عربية، مثل الموقف من العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006 فالحكومة تتبنى رأي الموالاة، في حين أن الشيعة يتبنون رأي المعارضة. كما أن الشيعة خرجوا في مسيرات تضامنية مع أهالي قطاع غزة، مخالفين بذلك قانون الدولة الذي يمنع المسيرات والتظاهرات بشكل عام، حتى لو كانت موالية ومؤيدة للدولة.

ويمكن القول ان كل سلبيات وايجابيات الواقع العربي، يجد له تجسيدًا ملائمًا في الوسط الشيعي في السعودية، لأن الشيعة عرب ولابد وأن يعكسوا واقع امتهم بصورة أو بآخرى.

والشيعة – رابعًا – مسلمون، يتبنون المذهب الشيعي، أو مذهب أهل البيت ، كما أن السنة يتبنون مدرسة الصحابة (رضوان الله عليهم)، وهم يحملون كل صفات الشيعة في العالم، ولا يختلفون عن نظرائهم الشيعة في لبنان والعراق وسوريا وإيران والكويت، فهم شيعة بكل تفاصيل الوضع الشيعي في العالم بل حتى الخلافات الشيعية والشيعية الموجودة في العراق وإيران تجد لها تجسيدًا لدى شيعة السعودية.

ولأن أهالي القطيف والاحساء شيعة فهذا يعني "حتمية" الصدام الطائفي، إذ أن واقع الشيعة في السعودية أوقعهم في مقابل المذهب السلفي الحنبلي وفق اجتهاد الشيخ محمد بن عبدالوهاب، الذي يملك ويحمل اتباعه تحفظات كثيرة على الشيعة، تصل إلى حد التكفير والاخراج من الدين والملّة، وهذه حقائق موجودة في جملة الفتاوى والطروحات التي تبناها المذهب السلفي الذي يضع الشيعة ضمن قائمة "المبتدعة، والرافضة، وعبدة القبور" وتصل إلى حد وضعهم بأنهم "مجوس" لا تحل دبائحهم ولا تجوز معاشرتهم والحديث معهم... الخ. وبموجب ذلك فكل شيعي يتعرض لنوع معين من المضايقة والتمييز الطائفي من قبل اتباع المذهب السلفي، كل بقدره وحسب موقعه، وحسب مستوى تأثيره.

صحيح أن قانونًا يقضي بالتمييز الطائفي، وتتبنّاه الدولة غير موجود، بيد أن قانونًا يمنع ويحارب التمييز والفصل الطائفي غير موجود هو الآخر، فالمسؤولون في الدولة يؤكدون انهم لا يمارسون الفعل أو الفرز المذهبي، وكل قوانين الدولة عامة لكل المواطنين، وما يجري من تقصير أو قصور في الخدمات فهو موجود في كل المناطق، بيد أن للطرف الشيعي يطلب بوضع قانون يعاقب كل من ينتهك الوحدة الوطنية، ويدعو للفرقة بين أبناء الوطن الواحد ومعاقبة ومحاكمة المعتدي، مهما يكن موقعه ومذهبه.

- ولأن المذهب السلفي وهو المذهب الرسمي للدولة، ويحمل كل تلك التحفظات على الشيعة، فإن كثيرًا من مواقع التأثير في البلاد يمنع منها الشيعة، أو لا يسمح لهم بالتقدم لها، ويكون الآخر هو الاكثر تأهيلاُ وقربًا من ذلك الموقع، بالتالي فإن كفاءته أفضل – من هذه الناحية – من ذلك الشيعي الذي يفقد بعض الشروط. كل ذلك ولا يوجد قانون أو نظام معين مكتوب يتبنى هذا الموقف، إينما هي "اعراف" اتفق عليها القوم، يحدث لها بعض الشرخ أو الاحترام المؤقت، مثلاُ يمنع أن يصل شيعي إلى موقع سفير، هذا القانون غير المكتوب تم تجاوزه لمدة لا تزيد عن سنة حينما عين شخص شيعي سفيرًا في إيران قبل أن يحال إلى التقاعد.

- وتبعا للعديد من الإجراءات، والقوانين غير المكتوبة، والأفعال الطائفية اليومية، فإن الشيعة يمثلون أرضية خصبة لنمو أحزاب او تجمعات أو تيارات مناهضة للفكر السلفي، المتصادم مع الشيعة على كل الأحوال، هذه التجمعات تحمل اللافتة الدينية – والمذهبية، كما أن الشيعة يبدون مكانًا خصبًا لنمو التيارات غير الدينية التي نابها استياء من تصرفات المؤسسة الدينية وافرادها.

- فوق ذلك، فإن حتمية الصراع الطائفي بين الشيعة والسلفيين في السعودية، يشكل منطلقًا لنهوض ثقافة التشدد ورفض مبادئ التعايش والانفتاح.. كما انها تشكل مبررًا قويًا لنهوض تيار الاصلاح والدعوة إلى نبذ العنف والتهميش والاخراج من الدين، فمن الناحية السلبية ومنعًا لحدوث الصدام، فإن لكل فعل ردة فعل، فالتشدد يؤلد تشددًا يناهضه، ويقاومه حرصًا على الحفاظ على الهوية. لكن في المقابل فإن في كل مجتمع بشري هناك عقلاء يتبنون الاصلاح ويدعون لاحترام الطرف الأخر.

من هنا فالشيعي يقف أمام حراك اجتماعي بمنطلقات دينية، مرشح لأن ينمو ايجابيًا، أو ينحط سلبيًا، تبعًا لمستوى الصراع الطائفي، الذي تراقبه الدولة بحذر، وتتركه لفترة معينة، تتدخل إذا تجاوز هذا الصراع الحد، وتوجه نحو شرعية الدولة نفسها. بالتالي فمن الممكن أن يتطور الخلاف المذهبي القائم، إلى صراع سياسي من منطلقات مختلفة يتوجه بالنقد والحرب ضد الحكومة نفسها، سواء من الطرف الشيعي، أو من الطرف السلفي، فالكل يتذكر أنه في العام 1400هـ قامت جماعة سلفية بقيادة شخص يدعى جهيمان العتيبي باحتلال الحرم المكي. وبالنظر إلى افكارهم ظهر أن من الاشكالات التي أوردوها على الحكومة هي تغاضيها عن الشيعة في المنطقة الشرقية، وأنها لم تقم بإبادتهم إبادة جماعية، أو على الاقل القيام بتهجيرهم.

والحال نفسه بالنسبة الشيعة فان أدبيات المعارضة التي ظهرت في الوسط الشيعي سواء كانت دينية أو وطنية فإن أبرز مبررات تبني نهج المعارضة هو ان الحكومة تمارس التمييز الطائفي، أو تقوم بظلم الشيعة، أو على أقل التقادير تغض الطرف عن مظلوميتهم، ولم تسن القوانين التي تقاوم التميز. بالتالي فإن الوضع الشيعي ضمن هذا الزخم السلفي، والدعاوى الطوائفية المتنوعة، والتي تحدث كل يوم تشكل بوابة لواقع ربما يكون غير محمود بالنسبة للمجتمع وللوحدة الوطنية، ولشرعية ومصداقية العدالة لدى الحكومة نفسها.

في الجانب الآخر، وبحكم أن هناك علاقة وطيدة بين الشيعة في السعودية، وغيرهم من الشيعة في العالم، تحديدًا مراجع الدين في العراق وإيران، نحن طريقهم يعرف الشيعي الاحكام الشرعية، ويأخذ ثقافته الدينية، بالتالي لابد وأن تكون هناك خطوط إتصال بين الطرفين، وعلاقة روحية فيما بينهما، وهذا حال كل الشيعة في العالم، فكل شيعي لابد وأن يرجع في أحكامه الشرعية إلى أحد المراجع الكبار، الذين يتصفون بمواصفات محددة وواضحة توردها الكتب والمصادر الشيعية كالعدالة والفقاهة والمستوى العلمي..

بيد أن ثمة مشكلة أو أشكالية ترد في هذا المجال هي أن معظم مراجع الدين الشيعة يتخدون مراكز نشاطهم في دول على خلاف سياسي مع الحكومة في المملكة كالعراق وإيران وسوريا، ورغم أن معظم مراجع الدين الشيعة في مواقع مستقلة عن الحكومات، إلاّ أن ذلك لا يشفع للشيعة بأن يتخلصوا من تهمة الولاء لدول معادية لحكومتهم، ويؤخذون بتلك التهمة، وربما يعاقبون بذلك، ويتكرر الحديث عن علاقات للشيعة مع أطراف خارجية تدعمها حكومات معادية، وطوال عقود من الزمن لم تجد محاولات الشيعة لاثبات ولائهم لوطنهم، وأن العلاقة القائمة مع الشيعة في الخارج هي علاقة دينية بحثة.

ويمكن الإشارة في هذا المجال إلى ثلاث ملاحظات يرد الحديث حولها حينما تثار قضية علاقة الشيعة مع الخارج هي:

الملاحظة الأولى: إن الصراع الطائفي القائم بين الشيعة والسلفيين أفرز مثل هذه الفكرة، فالطرف السلفي الذي يسعى للنيل من الشيعة وعقائدهم وسلوكياتهم، يسعى لأن يكسب الجانب الحكومي لصفّه، بحكم كونه يملك سلطة العقاب والقرار والبت في كل شيء لذلك فالسلفيون يسعون لاقناع الحكومة بأن الشيعة معادون لها، وينفذون مخططات دول أجنبية، هنا الطرف الحكومي أما أن يقف صراحة ضد الشيعة، أو يقف على الحياد ويترك للجانب السلفي ما يراه مناسبًا.

وكلا الحالتين يحقق الفوز والغلبة للجانب السلفي. وإذا ما قرر الجانب الحكومي التدخل فإنه وفق معطيات المذهب الرسمي فلن يكون اكبر من أن يضع حدًا لحدة الصراع، لا العمل على ايقافه والقضاء عليه لما يسببه من فتنة تصيب الوحدة الوطنية وتهدّدها.

الملاحظة الثانية: إن ما يثيره السلفيون حول الولاء للوطن، يقابله رد شيعي دقيق في الموضوع، يتمثل في أن الذي يرتبط بمرجع ديني يأخذ منه الفتاوى، أقل ضررًا من الذين قام بتفجير المواقع وقتل الأبرياء، تنفيذًا لأوامر تنظيم القاعدة.

فضلاً عن الولاء للأوطان لايتم بالأقوال والشعارات، وإما بالفعل والمواقف، والشيعة اثبتوا ولاؤهم أبان حرب الخليج الأولى، إذ لم يقفوا مع قوات الغزو العراقي ضد وطنهم وحكومته، بالتالي فإن مقولة الولاء لا تعدو أن تكون وسيلة لتصفية حسابات، اثيرت في غمرة الصراع الطائفي، وكل طرف يحاول أن يكسب له انصارًا، أهم هؤلاء الأنصار هي السلطة.

الملاحظة الثالثة: إن الولاء للوطن شعار جميل ورائع، والجميع يتحدث عنه، ولكن كيف يكون؟ وكيف يتم؟ وما هي مواصفاته؟ كل تلك الاسئلة لم يتم الإجابة عليها، ولوتمت لدخل الجميع مغارة اخرى في الخلاف مع كافة الأطراف في الدولة.

أخيرًا يمكن القول أن الشيعة، إذا قبلنا انهم أقلية فهم جزء من النسيج الوطني، وهم جزء من المجتمع الخليجي، وهم عرب أقحاح، مسلمون على علاقة حميمية مع الشيعة في الخارج، بالتالي فهم جزء هام في أي معادلة وطنية يراد لها أن تتم، وليست من صالح أحد أن يتم تحت أي ظرف تهميشهم فضلاً عن القضاء عليهم.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أبوعلي الحسيني الهاشمي القرشي
10 / 1 / 2012م - 12:41 م
لقد قرأت بعضا من المقالات المنشورة وخصوصا سلمان محمد العيد وفيصل آل عجيان
وعلي آل زايد ورأيت كلها تصب في خانة الطائفية المبطنة !ثم لفت أنتباهي ما قاله سلمان محمد العيد عندما وصف الشيعة بأنهم كالبحر , فأنها صحيحة لا محالة , فقد أفصح عن خصائص ومميزات الشخصية الشيعية ظاهرها شئ وباطنها شئ آخر , أو بالاحرى النفاق أو التقية ولذلك نجد الشيعة الرافضة لا يستطيعون التأقلم مع المجتمعات التي يعيشون فيها بل ليس عندهم حسن النية كما لأهل السنة , أو بالاحرى فأنهم يعيشون في طور نظرية الانتظار المزعوم كي يأتيهم المخلص من الظلم والاستبداد ! فهناك صراع وأزدواجية في الاعتقاد , وما لفت أنتباهي أن هناك رواية لدى الشيعة تحرم العمل السياسي أبان الغيبة الكبرى حيث تقول : كل راية تقام قبل راية الامام مهدي , فهي راية كفر وضلال وصاحبها طاغوت ! وليت هل تشمل هذه الرواية حكومة ولي الفقيه في قم وطهران ؟! .