آخر تحديث: 4 / 7 / 2020م - 1:57 ص  بتوقيت مكة المكرمة

قراءة في كتاب المفكر المحفوظ «ضد الطائفية»

هشام منور *

تعد مسألة الطائفية بتمظهراتها وتشكلاتها المتعددة، الدينية والعرقية والسياسية، واحدة من أهم القضايا التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية، مهددة وحدتها ونسيجها الجمعي بشكل خطير وحاد. يحاول هذا الكتاب الوقوف على أبعاد هذه الظاهرة وكيفية مواجهتها؛ منطلقاً من رؤية أساسية مفادها أن العالمين العربي والإسلامي في حاجة ماسة، في ظل الظروف والتطورات الراهنة، إلى صياغة استراتيجية متكاملة للتعامل مع حقيقة التعددية المذهبية الموجودة في المجتمعات العربية والإسلامية ومتطلباتها الثقافية والاجتماعية، من أجل بناء مجتمع متحد، لا يلغي الخصوصيات ولا ينغلق فيها، مؤكداً أن الدول لا تستطيع أن تنهض أو تواجه مشكلاتها إلا من خلال وحدتها واحترام كافة مظاهر التنوع والتعدد الموجود في فضائها الاجتماعي والثقافي والسياسي.

يوضح الكتاب أن ممارسة القهر والاستبداد هو السبب الرئيس لهذه الأزمات التي تعاني منها مجتمعاتنا، مؤكداً أن الوحدة القهرية لا تفضي إلى استقرار دائم، وإنما تؤسس لاحتقانات وانفجارات ونزاعات جديدة تؤدي في النهاية إلى تآكل هذه الوحدة، وإلى اليقظة العنيفة لكل الخصوصيات والهويات؛ حيث توضح التجارب التاريخية أن الكيانات التي تأسست على قاعدة الوحدة القسرية لتنوعاتها، مثل الاتحادين السوفيتي واليوغسلافي، كان مآلها التشظي والتفتت، في حين أن الحكومات التي تعاملت مع هذا التنوع الديني والعرقي في مجتمعاتها بمرونة سياسية، ولم تتجاهل متطلبات الأقليات المختلفة فيها، نجحت في توظيف هذا الشعور بالتميز لدى تلك المجموعات البشرية بشكل إيجابي في بناء الوطن وإزالة كل عناصر التوتر.

ويرى الكاتب أن تحقيق العدالة بين كل فئات وشرائح المجتمع هو السبيل لتحقيق التعايش الحضاري بين تلك الفئات، وهذه العدالة تعني نبذ كل أشكال التمييز والإقصاء والإلغاء، واعتبارها من القضايا الرئيسية التي تهدد وحدة الوطن وأمنه. كما يطرح مفهوم الحرية كمدخل للتعامل مع ظاهرة التنوع المذهبي والعرقي، من خلال إعطاء الأقليات الحرية في ممارسة شعائرهم الدينية والاحتفاظ بخصوصياتهم الثقافية واللغوية بعيداً عن أية ضغوط أو تجاذبات. فالشعب الأمريكي جاء من بيئات جغرافية متعددة، ومرجعيات فكرية ودينية متنوعة، ولكن توفر الحرية والمؤسسات الدستورية صهر كل هذه التنوعات في إطار أمة واحدة.

ويؤكد الكتاب أن اتفاق منتسبي المذاهب الدينية المختلفة ضروري لنبذ فكرة الطائفية بكل مسوغاتها وتبريراتها، ونقد أسسها الثقافية والسياسية، ومرتكزاتها العقدية والفكرية، والبعد عن ممارساتها، ويقتضي ذلك الاعتراف القانوني والسياسي بكل المذاهب الدينية الموجودة في المجتمع، وإعطاءها المجال والفرصة لكي تمارس بحرية كل أعمالها وأنشطتها الثقافية والاجتماعية والدينية؛ وسن القوانين التي تجرم وتعاقب كل مواطن يمارس التمييز الطائفي؛ وتنقية المناهج التعليمية والتربوية والمنابر الإعلامية من كل الأفكار التي تبث الكراهية الدينية والمذهبية، وتشجع على عملية التمييز والتهميش على قاعدة طائفية أو مذهبية.

يؤكد المؤلف أن المواطنة التي تقوم على المساواة في الحقوق والواجبات لا يمكن أن تبنى على دحر خصوصيات المواطنين أو محاربة عقائدهم وأفكارهم ومقدساتهم؛ لأن هذا السلوك التعسفي بتأثيراته النفسية والواقعية، ينهي الإمكانية الفعلية للتعايش والاندماج الوطني. داعياً إلى تعزيز ثقافة الحوار داخل المجتمع، بوصفه العامل المؤثر في تجاوز الأزمات الناجمة عن سوء الفهم. مطالباً بنبذ التعصب الأعمى للذات، ومعتبراً إياه العدو الحقيقي لاستقرار المجتمعات والأوطان، ويؤسس لتكوين عقليات أحادية جامدة لا ترى إلا ذاتها.

يعرج الكتاب بعد ذلك إلى الأحداث والتطورات التي شهدها العراق وأثارت مخاوف احتمال اندلاع حرب طائفية أو أهلية واسعة، محذراً من خطر الانفجار الطائفي في هذا البلد نتيجة المخططات المرسومة له، ومشدداً على ضرورة الوقوف في وجهها. مطالباً النخب بعدم الاصطفاف السياسي والتخندق الطائفي، وإدانة كل الممارسات الطائفية في هذا البلد، ورفع الغطاء الديني والشرعي عنها، والابتعاد عن أي محاولة تهدف إلى تبريرها أو تسويغها، ونبذ الخطب التحريضية التي تدفع الأمور إلى الاحتقان الداخلي، في العراق وجميع الدول العربية والإسلامية، وتعزيز خطاب الوسطية والاعتدال. ويبقى أن كشف الجذور ورفع الغطاء عن مظاهر الطائفية في مجتمعاتنا لن يكتب لها النجاح إلا بربط القول بالعمل ومحاولة اجثتاث هذه الظاهرة السلبية قد أن تتكفل بهدم نسيجنا الاجتماعي وتخريب اللحمة الوطنية الهشة أصلاً.

كاتب وباحث سوري