آخر تحديث: 10 / 7 / 2020م - 3:52 م  بتوقيت مكة المكرمة

السفر للخارج.. كينيا تجربة وموقف

صادق راضي العلي *

ضمن نطاق عملي في القطاع الخاص أتذكر موقف عابر جداً تحدثت به مع رجل الأعمال الأستاذ سلمان الجشي، حول إمكانية مواصلة العمل في مجال الموارد البشرية واستقطاب الأيدي العاملة من الخارج، وذلك بعد عودتي من الفلبين مباشرة، حيث لم آلف السفر ولم تتضح لي الصورة على حقيقتها، وكنت متردداً في إكمال الطريق ومواصلة العمل بهذا الاتجاه لعدم تأقلمي مع وضع السفر مبدئياً، ولكنه ومن واقع تجربته المليئة بالدروس والمواقف شجعني وارشدي من أجل إكمال المشوار، وعمل بشكل مباشر وغير مباشر على تهيئتي لأن تكون هذهِ التجربة بمثابة بداية الانطلاقة، وعدم التهيب من العقبات والمصاعب، لأنها مصاحبة ولابد من وجودها مع أي عمل أو نشاط جديد.

هذا التحفيز نال من نفسي الكثير، وشجعني في داخلي لأن تكون هذهِ التجربة بمثابة الواقع والمستقبل الذي اطمح إليه، وطريق للانفتاح على الآخرين والتواصل معهم والاستفادة من خبراتهم. أصدقاء جدد وأخوة أعزاء لا زلت احتفظ في ذاكرتي معهم بمواقف كثيرة جمعتني بهم الأيام والأسفار، لهم طباع عديدة وديانات مختلفة وتوجهات كثيرة، عنوانها المحبة والابتسامة والأخوة والتواصل وإن اختلفت الشخوص والتوجهات، في المناسبات والأعياد الإسلامية لا زلت أتلقى منهم رسائل التهنئة والمحبة، وقبل أيام وصلتني من بعضهم رسائل عديدة تهنئني بالعام الجديد.

منذُ فترة كنت أفكر في كتابة بعض المواقف والأحداث التي حصلت معي في بعض الأسفار والرحلات لبعض الدول التي كنت أذهب إليها بين فترة وأخرى، فمن الجميل أن يوثّق الإنسان ولو جزء بسيط من حياته وتجربته في الحياة، خصوصاً عندما تكون هذهِ التجارب جزيلة الفائدة والعطاء للإنسان، والأجمل أن تبقى هذهِ المواقف دروس يستفيد منها الإنسان مع من تشارك معهم حلاوة السفر وعاش معهم لحظات رائعة.

في الهند والفلبين وسيرلنكا ونيبال كان السفر سريعاً ومنصبّاً في الجانب العملي بشكل كبير، ومتشابه في كثير من أموره وأوقاته، ولم يكن هناك جانب متاح لمعرفة الكثير عن هذهِ البلاد وما تحويه من أمور عدة، سوى ما نسمعه في وسائل الإعلام أو نقراءه في الصحف والمجلات، ولكن في لحظات قليلة تعرفت على بعض إنسان هذهِ البلاد، وكيف يعيش يومه ويوظف طاقته من أجل الحصول على قوت يومه. أعمال بسيطة وكثيرة يستطيع الإنسان أن يقوم بها تدر عليه أموالاً كثيرة، وليست معنية بمكان واحد، وإنما هي موجودة في كل البقاع والبلاد، فلكل مجتهد نصيب، وما أكثر البركة في السعي والحركة، قال تعالى: " هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ " سورة الملك آية 15.

أفريقيا زرتها أكثر من مرة، ولكن في كينيا كان الوضع مختلفاً وغير متوقعاً، فمنذُ اليوم الأول لوصولي إلى مدينة مومباسا ذات الغالبية المسلمة، استضافني احد الأخوة الكينيين ذو الأصول الهندية للسكن معه في البيت، وأصرّ عليّ كثيراً أن اجلس معه ومع زوجته وابنيه نجيب وعلي في منزله، ورغم تمنعي وإصراري الشديد على أن اسكن في فندق أو غرفة مستقلة لعدم مضايقته، ولكنه اعتبرني أحد أبنائه وافرد لي غرفة في منزله المتواضع كانت ملاصقة لغرفته، هذا العمل لم أرتح له كثيراً في بداية الأمر ولم آلفه في حياتي يوماً ما، ولكنه سخاء وأدب وكرم وعطاء وجدته من هذا الرجل الفاضل.

بمرور الأيام أحسست بأنهم جزء من كياني ووجودي وكأنني عرفتهم منذُ زمن بعيد، فقد تشاركت معه وعائلته أمور حياتهم اليومية، كنا نخرج بشكل متواصل نتعرف على المنطقة ونتواصل مع الآخرين، ونجلس مساءً نتداول الحديث حول مواضيع عدة، كانت في كثير منها استطلاع وتساؤل حول وضعهم الحياتي ومستقبلهم المعيشي وغيرها، ومما أثار في نفسي العجب عندما علمت بأن الشابين الموجودين معنا في البيت ليسوا أولاده فعلاً، ولكن تبناهما منذُ الصغر ورباهما في بيته واعتنى بهما وصرف عليهما من ماله، فعلي الأكبر الآن يدرس في كندا، ونجيب الأصغر اليوم يعمل في محل حاسب آلي وبرمجيات الكمبيوتر في مومباسا.

من هنا يتجلى لنا معرفة أنّ من أهم ما يجلب الخير والبركة والسعادة للإنسان هو سعّيَهُ باتجاه قضاء حاجات الآخرين ومواساتهم ومشاركتهم، ففي هذا الزمن ربما من النادر أن نتلمس حاجات الناس ووضع البشر من حولنا، أو لأننا لا نعي أهمية التآلف والتواصل والمواساة مع الناس وذوي الحاجات من أبناء المجتمع بهذهِ الطريقة العفوية، أو حجبتنا العادات والتقاليد لكي لا نكون جزء من حياتهم اليومية بالرغم من التعاليم والإرشادات الدينية المستفيضة التي توجهنا للاهتمام بقضاء حاجات الناس، فقد جاء التأكيد عليها في موارد كثيرة وعديدة حيث نجد الإمام علي بن الحسين في دعاء مكارم الأخلاق يؤكد على ذلك بقوله: " وَأَجْرِ لِلنَّاسِ عَلَى يَدَيَّ الْخَيْرَ، وَلا تَمْحَقْهُ بِالْمَنِّ.. ".

الأحساء - الرميلة