آخر تحديث: 10 / 7 / 2020م - 4:38 م  بتوقيت مكة المكرمة

دعوة لدراسة البيئة المنتجة لحكام غير مؤهلين للحكم

محمد الشيوخ *

لا تنحصر وظيفة الحاكم المسلم في حدود القيادة الدينية وإنما يمتد دوره لقيادة الناس في شؤونهم الدنيوية أيضا. فالحاكم، بحسب فلسفة الحكم الإسلامي، هو قائد دنيوي وأخروي، أي أن رئاسته رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا معا. ومما لاشك فيه أن هذه الموقعية حساسة وخطيرة جدا، ولأنها كذلك، فقد حدد الإسلام مجموعة من المعايير للمسلم إذا أراد أن يتبوأ هذا المكانة، وذلك حرصا منه للحفاظ على مكانة الأمة ودينها وكرامتها، التي لا تتحقق إلا من خلال رعاية كرامة أبناء الأمة وإدارة شؤونهم العامة وحفظ أمنهم واستقرارهم ورفاهم.

لذلك ذكر بعض الفقهاء شروطا متعددة بعضها اجتهادا والبعض الآخر مستفادة من النصوص، وهي بمجموعها تؤدي إلى تحقيق مقاصد الشرع في الإمامة والوفاء بأعباء هذا المنصب الخطير، فالماوردي مثلا  كان يرى أن شروط الإمامة سبعة هي: الإسلام، الرجولة، العدالة الجامعة للشرائط، العلم المؤدي للاجتهاد في النوازل والأحكام، سلامة الحواس والأعضاء والرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح والشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية بيضة الإسلام وجهاد العدو، وان يكون نسبه من قريش لورود النص فيه وانعقاد الإجماع عليه.

في حين قسم فقهاء آخرون الشروط التي ينبغي أن تتوافر في الحاكم الإسلامي إلى صنفين: صفات مكتسبة وأخرى غير مكتسبة، وهي تتمثل في: الإسلام، والتكليف، الذكورة، العدالة، الكفاية، سلامة الحواس، النسب من قريش. قد لا يكون هناك جدل يذكر بين فقهاء المسلمين حول أهمية تلك الشروط والاتفاق عليها عدا شرط "النسب" الذي فيه كلام طويل بين الفقهاء، وهو ليس محل بحثنا هنا. فعالم الاجتماع ابن خلدون مثلا، كان يرى من شروط الخلافة أن يكون الحاكم من قريش، لكن ليس للتبرك وإنما للعصبية وشد اللحمة أو كما عبر عنها الإمام الغزالي بقيام الشوكة. يشار إلى أن شرط النسب الجامع للناس ينبغي أن تعضده بقية الشروط التي اشرنا إليها سابقا، بحسب الكثير من الفقهاء، إذ لا يكفي هذا الشرط بمعزل عن بقية الشروط. كما أن هناك شرطا آخر يتمثل في اتفاق إجماع أهل الشوكة «الجمهور» على إمامة وخلافة الخليفة.
 
مع تأكيد الفقهاء الشديد على تلك الشروط التي باتت محفوظة عن ظهر قلب إلا أن تجربة الحكم الإسلامي تكشف لنا بجلاء ووضوح أن العديد من الحكام اللذين حكموا الأمة الإسلامية في حقب مختلفة لم تنطبق عليهم تلك الشروط إن بعضها أو أغلبها. ولا داعي لذكر نماذج من الحكام السيئين المستبدين اللذين حكموا الأمة باسم الإسلام وهم ابعد ما يكونوا عنه. ولا يفوتنا التنويه إلى أن سبب التأخر الذي عاشته الأمة الإسلامية طوال تاريخها، راجع بدرجة كبيرة إلى هذه المعضلة، أعني وجود نماذج من الحكام المسلمين لا تنطبق عليهم شروط الخلافة الإسلامية، وبالتالي لا يستحقون هذه المكانة.
 
وبدلا من الانشغال في البحث عن مدى انطباق وعدم انطباق شروط ومعايير الحكم الإسلامي على بعض الحكام الذين حكموا الأمة، أرى من المناسب البحث في الأسباب التي جعلت من البيئة الإسلامية بيئة ملائمة لإنتاج حكام غير صالحين وليست لديهم ادني مقومات القيادة بصورتها الواسعة.في ظننا، هناك جملة من الأسباب التي أدت إلى هذه الظاهرة، أبرزها سببان جوهريان:الأول، هو عملية احتكار الحكم وتحويله إلى ملك خاص ومن ثم توريثه للأبناء. والثاني، فقدان الأمة القدرة على المشاركة في السلطة، وعدم تمكنها من إنتاج آلية تمكنها من إيصال ممثلين عنها يتمتعون بالكفاءة والصلاح ليمارسوا الحكم وفق إرادتها.
 
إن القراءة التحليلية والمقارنة للسير الذاتية للعديد من حكام الأمة الإسلامية، على طول تاريخها، وكذلك دراسة الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية، ستساهم في الكشف عن المزيد من تلك الأسباب التي أفرزت حكاما غير صالحين وغير مؤهلين للحكم، لكونهم من جهة، لا يتمتعون بأدنى المعايير والاشتراطات التي حددها فقهاء الإسلام، ولأنهم من جهة أخرى، لا يمثلون إرادة الأمة التي تخولهم ليتبوأ من خلالها هذه المكانة الحساسة والهامة في الأمة، أعني موقعية الخلافة والحكم.

باحث في علم الاجتماع السياسي