آخر تحديث: 14 / 7 / 2020م - 10:08 م  بتوقيت مكة المكرمة

إشكالية رقابة السلطة في العالم العربي المعاصر

محمد الشيوخ *

انهيار منظومة الرقابة على الأنظمة السياسية الحاكمة في عالمنا العربي، هو واحد من ابرز العوامل الذي خلق منها أنظمة سلطوية مستبدة تمارس مختلف أشكال الفساد والظلم باستمرار وبلا حياء أيضا، وهو الذي جعل اللذين يمارسون دورهم الرقابي الموجه لسلوك النظام ومؤسساته وأجهزته، لتؤدي وظائفها بكفاءة عالية من جهة، ولكي لا تتوغل أكثر في وحل الفساد من جهة ثانية. إن هذا الدور الذي يسعى لممارسته المصلحون، هو الذي جعلهم لقمة سائغة لسطوة النظام يفعل بهم ما يشاء ومتى ما أراد دون حسيب ولا رقيب.

في غابر الزمن الماضي كانت للأمة الإسلامية سلطة نافذة على الحاكم، وكانت تمارس دورها في الرقابة والمحاسبة والتقويم بشكل فاعل وبمقتضى فريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان الحاكم يحترم توجيهاتها ويمتثل غالبا لإرادتها، كما لم تكن سلطة الأمة في مراقبة الحكام وتقويمهم ومحاسبتهم، محل جدل ونقاش لدى الحاكم والمحكوم على حد سواء، إذ أن نصوص الشريعة في هذا السياق كانت ولازالت قاطعة في دلالتها وواضحة في صراحتها.

كان كل فرد في الأمة، يرى نفسه معنيا وبشكل مباشر بأداء وظيفة الرقابة على سلوك الحاكم وأجهزة الدولة بغرض ترشيدها والحد من فسادها المالي والإداري. وتجلت هذه المسؤولية الفردية في مواطن عديدة خلدها التأريخ، وكان الحاكم يعيد النظر في العديد من ممارساته وقراراته ومواقفه الخاطئة بمجرد أن يعترض عليه أحد أفراد الأمة. ولسنا هنا بحاجة إلى استحضار نصوص الشريعة الإسلامية التي ركزت على المسؤولية الفردية في الرقابة والمحاسبة، كما لسنا بحاجة إلى بيان أثر ودور المسؤولية الجماعية في هذا السياق، لتأكيد هذا الحق، فالمسألة كما أظن ليست محل جدال، وعلاوة على ذلك هي مسألة منطقية وبدهية والجميع يفهم هذا التكليف انطلاقا من قوله ﷺ "كلكم راع".

وكما أن الفرد معني بصورة مباشرة بالقيام بواجبه في الرقابة والمحاسبة والتقويم، كذلك الأمة ككل هي مسؤلة عن رقابة وتقويم سلوك الحاكم لأنها تمثل مصدر شرعيته، لأن ممارسة هذا الحق كما هو واجب على الفرد هو واجب أيضا على الأمة، بل هو من أبرز وأهم الواجبات لما يترتب عليه من آثار جسيمة تؤثر على حاضر الأمة ومستقبلها، إن سلبا أو إيجابا، وبما أن الحكام هو نائب عن الأمة وممثل لإرادتها، فوظيفته تنحصر في تمثيل تلك الإرادة وتنفيذ ما خولته الأمة بالقيام به من رعاية لمصالحها، وهو ملزم بالرجوع إليها لاستشارتها في كل ما يتصل بهذه الوظيفة، وفي المقابل عليه الالتزام بما تقرره.

الذي يراقب سلوك الأنظمة السياسية في عالمنا العربي المعاصر، وكذلك دور الأمة في الرقابة والمحاسبة والتقويم، يلحظ بوضوح أن هنالك ثمة تغير تام في المعادلة قد حصل، ففي الوقت الذي تعاظمت فيه سلطة الحاكم وقويت شوكته، تضاءل من جهة أخرى دور الأمة وقل وزنها، وفي ما يتصل بالرقابة والتقويم لسلوك نظامها السياسي، أصبح دورها على هذا الصعيد هامشيا أو شبه مشلول، وصارت الأنظمة المستبدة الحاكمة، هي التي ترفض كل أشكال الرقابة والمحاسبة الشعبية، بحجة إنها أوجدت أطرا رسمية تابعة لها موكلة بهذه المهمة، بل صارت الدولة تضرب بيد من حديد كل من يفكر في أن يمارس دورا رقابيا موجها لسلوك أجهزتها بغية تقويمها وتصحيح مسارها!.

إلى جانب تعاظم سلطة الحاكم، تبدل أيضا مفهوم الحكم إلى نقيض ما كان سائدا في السابق تماما، فصار الحاكم اليوم يرى نفسه هو صاحب الصلاحيات المطلقة وهو مصدر شرعية النظام، والناس في نظره ليسوا أكثر من رعايا تحت رحمته وعبيد في مملكته لا يتجاوز دورهم حدود الامتثال لأوامره والإذعان لسلطته والتسليم له في ما يأمر وينهى، وذلك بصرف النظر عن صوابية توجيهاته وصحة مواقفه من عدمها، كما لا يحق لأي فرد في مملكته الاعتراض على سلوكه أو مراقبة أجهزته وتقويمها، وكل من يحاول القيام بهذه المهمة سيكون عرضه لأقسى واشد أنواع العقوبات!

التغير الذي طرأ على مفهوم الحكم والسلطة، هو الذي أوجد خللا في منظومة الرقابة والمحاسبة والتقويم لدى الأمة، ففي السابق مثلا كان ينظر الحاكم إلى نفسه باعتباره نائبا عن الأمة وممثلا لإرادتها، وكان مجبرا للرجوع إليها في كل ما يتصل بأمور الحكم لاستشارتها في كافة القرارات المزمع تنفيذها سيما المصيرية منها، وكان الحاكم في الغالب يلتزم بما تقرره الأمة، لأنه كان يعي أن الأمة هي مصدر سلطانه، ولها الحق في مراقبته في كل أعماله ورده إلى الصواب في كل أفعاله متى ما اخطأ الطريق، وكانت الأمة في المقابل تقومه متى ما اعوج وتجرده من صلاحياته متى ما أساء استخدامها، بل كانت تقوم بعزله متى ما اقتضت الضرورة لذلك. كل تلك الإجراءات والخطوات كانت تتخذ لكي لا تنزلق الدولة في مستنقع الفساد ولكي لا يلحق الضرر بالناس وتصادر حقوقهم أو يعتدى عليها.

مع أن أشكال ووسائل ومصادر الرقابة على النظام السياسي الإسلامي فيما مضى، خصوصا في التجارب الأولى للحكم، كانت محدودة وتمارس وفق آليات بدائية، إلا إنها كانت فاعلة وتؤدي أغراضها بشكل جيد، وكان الحاكم، كما أسلفنا، خاضعا في الغالب لإرادة الأمة ومسترشدا بهداها إلا ما شذ وندر. ربما المفارقة التي تحتاج إلى المزيد من البحث والنقاش تتمثل في عدم فعالية الرقابة في عصرنا الراهن، التي تمكنها من الحد من الفساد الصادر من الدولة أو مقاومته، مع تعدد أشكال الرقابة وتطور آلياتها. هذا بحاجة إلى مزيد من البحث والمناقشة.

جماع القول، ففي الوقت الذي لازلت أرى بأن التغير الذي طرأ على مفهوم الحكم والسلطة، هو الذي أحدث خللا بليغا في منظومة الرقابة على سلوك أنظمة الحكم وأداء أجهزة الدولة في معظم أقطارنا العربية والإسلامية في زمننا المعاصر، لكني على قناعة تامة أيضا بان ذلك التغير ليس هو العامل الوحيد الذي أدى إلى تلك النتيجة الكارثية، لذلك أظن أن هنالك عوامل أخرى ساهمت بشكل أو آخر في تكريس ذلك الخلل، وهي بحاجة إلى المزيد من التقصي والتشخيص والتحديد كخطوة أولى للمعالجة.

باحث في علم الاجتماع السياسي