آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 9:25 ص

استعمار جديد بنكهة فارسية؟!

أحمد العلي النمر

لم يتذوق «العرب» طعم الديمقراطية ولم يتعرفوا إلى معانيها الحقيقة طيلة أربعة عشر قرنا الماضية سوى فترات نادرة جدا إثناء الخلافة الراشدة وتوقفت تماما مع بداية الحكم الأموي العضوض.

وحتى إثناء الخلافة الراشدة التي أعقبت وفاة الرسول ﷺ لم يتمكن العرب من تبني نظام دستوري ديمقراطي يرتضيه السواد الأعظم من الناس، ولعل في مقتل ثلاثة من الخلفاء الأربعة الذين كانوا على رأس هرم القيادة ومقتل عشرات الآلاف وبينهم كبار الصحابة والتابعين في تلك الفترة الزمنية القصيرة دليل على أن ثمة خلاف واضح على فهم تفسير موحد للدستور الذي يجب أن يسود الأمة، ولا زال الجدل قائما إلى يومنا الحاضر في كيفية تعيين القيادة... هل هي بالنص؟ أم بالشورى؟ أم لمن غلب بالسيف؟ أم بترشيح من أهل الحل والعقد؟ ومن هم أهل الحل والعقد؟ ومن ينتخبهم؟

أما عصر الحرمان الحقيقي من الديمقراطية فقد بدأ مع ولادة الدولة الأموية التي هي في الواقع نوع من الاستعمار الداخلي، ثم توالت الدكتاتوريات العربية التي تخللها الكثير من الثورات المخضبة بدماء الأحرار الذين رفضوا الركون إلى العبودية والاستبداد، إلى أن اسلم العرب قيادهم إلى الاستعمار الخارجي وعُرِضت البلدان العربية في أسواق النخاسة تُباع من مستعمر إلى آخر، وليس من باب المبالغة أن يُقال إن الوطن العربي هو من أكثر بلدان العالم التي تناوب المستعمرون عليها،

وقد ألِف العرب هذا الوضع الاستبدادي وانسجموا معه، وتحولت الديمقراطية في أذهانهم إلى دخيل غريب غير مرغوب فيه، ولذلك تجد انه حتى إذا نجح بعض الأحرار في التمرد على النظام وتغييره كما حصل مع الدولة الأموية والعباسية وغيرها سرعان ما تنحرف الثورة لتسقط في أوحال ديكتاتورية جديدة.... وبهذه الروح المتخاذلة والمعنويات الهابطة قدم العرب أنفسهم وأوطانهم لقمة سائغة للأجنبي.

واليوم يعيد تاريخنا المجيد نفسه مع ربيع الثورات العربية في كل من تونس ومصر وليبيا حيث قامت ثورات جماهيرية نجحت في إسقاط النظام، ولكنها لم تستطع التخلص من تبعات المرض المستعصي في العقلية العربية التي تبحث دائما عن «جلاد» يستعبدها، فهذه مصر زعيمة العروبة لا تزال تسير في الفلك الأمريكي، وما برح العلم الإسرائيلي يرفرف في سماء عاصمتها، وكذلك تونس وليبيا لم يتغير فيهما سوى الأقنعة، ولا زالت عضويتهما في جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة كبقية الدول العربية مجرد «صوت» لا يعبر عن مصالح شعوبها بقدر ما يستخدم لتمرير قرارات تمليها قوى استعمارية مهيمنة عندما تحتاج لمسوغ «الشرعية الدولية» لتوجيه ضربة عسكرية أو محاصرة اقتصادية لدولة تمردت على «نظام القطيع»، وقد أكد العرب مؤخرا حقيقة المقولة المشهورة بحقهم إنهم «ظاهرة صوتية» من خلال التصويت بـ «شبه الإجماع» في الجامعة العربية على تجميد عضوية سوريا ومقاطعتها اقتصاديا وسياسيا!.

وفي الوقت الذي يرزح فيه وطننا العربي تحت الهيمنة الأمريكية التي هي من أسوأ أنواع الاستعمار والذي من المفترض أن تتركز كل الجهود والإمكانيات للتخلص منه، نجد مع شديد الأسف إصرار مبالغ فيه من بعض دولنا العربية على أن عدو الأمة الحقيقي الذي يتهددها هو الجار المسلم «إيران»، وأن أمريكا صادقة في كل ما تقوله عن إيران، وإن من أهم الأولويات في عصرنا الحاضر هو أن نضع أيدينا مع أمريكا وحلفائها وبالطبع من بينهم إسرائيل للقضاء على هذا العدو المتربص، متناسين تماما التجربة المريرة في الحرب العراقية الإيرانية السابقة التي قام فيها العرب بالحرب نيابة عن أمريكا ولم يحصدوا منها إلا الخيبة والخسران.

ولو أشتعلت - لا سمح الله - هذه الحرب التي بدأت إرهاصاتها تطفو على السطح فإن «صكاً» بالتبعية سيوقع للمنتصر في هذه الحرب، ومن الممكن ولو بنسبة ضئيلة أن تُهزم أمريكا وتُطرد من المنطقة، وحيث أن المنتصر - في العادة - هو من يرسم خارطة الطريق للمنطقة محل النزاع كاستحقاق طبيعي يفرضه الانتصار، فإن علينا نحن العرب المغلوب على أمرنا والذين أقحمنا أنفسنا في معركة خاسرة من بدايتها أن نستعد للانتقال طائعين خاضعين إلى أحضان مستعمر جديد قديم بنكهة «فارسية» مميزة.