آخر تحديث: 14 / 7 / 2020م - 10:08 م  بتوقيت مكة المكرمة

المشاركة بالرأي: ضرورة مُلحّة

سالم الأصيل

في الوقت الذي يتنامى فيه حجم مشاركة الشعوب في ظل الدولة الحديثة استنادًا إلى مفهوم الدولة المدنية، الذي يؤسس لشراكة حقيقية وتفاعلية مستمرة بين الشعوب والسلطات التي يجب أن تنبثق منها ابتداء، وفي زهور ثورات الربيع العربي التي تفتحت ناشرة في أثرها عبق الكرامة والحرية قارعة أجراس التغيير، معلنة الانطلاقة الجديدة في مسار المشاركة الحقيقية والفاعلة في صناعة القرار السياسي، والتمتع بكامل الحريات والحقوق الطبيعية اللصيقة بالإنسان، ما تطلب إزاحة أنظمة بالية كانت قد أصرّت على التفرد بالقرار بكل أجزائه ومراحله.

مع ذلك كله، ما زلنا نتلمس نقصًا واضحًا في مشاركة الشعوب - لا سيّما في إطار المجتمع الخليجي - أفرادها ومؤسساتها في صناعة القرار، يعود إلى مجموعة أسباب داخلية «ذاتية» كانت أو خارجية، بل إن هذا النقص يمتد - أحيانًا ليست بالقليلة - إلى عدم الرغبة بالمشاركة، بل والقناعة بعدم الجدوى بمشاركة من هذا النوع! ما يقودنا إلى القول بأن لدينا مشكلة أساس في ضعف ثقافة المشاركة بالرأي، والجهل بمؤداه وأثره في الرأي العام بمختلف تدرجاته وأطواره المكوِّنة والصانعة في النتيجة قرارًا إما أن يكون نافعًا للناس أو ضارًّا بهم.

أسباب ونتائج

ساهم في تكوين هذا الضعف وتكريسه التوأمة الضاربة عرضًا وطولاً في أعماق التاريخ البشري، المتمثلة في الخطاب السياسي، وداعمه الأكبر الخطاب الديني الرسمي، بل وغير الرسمي في بعض الأحيان، من حيث يشعر أو لا يشعر، إذ تجده - الخطاب الديني غير الرسمي - يدعو إلى الاستكانة والصبر على ظلم وجور الحاكم، واحتساب الأجر والثواب المتحصل بتجرع الآلام وغصص والتهميش والقتل والتنكيل من السلطة الجائرة، تاركة وراءها كل الآمال البشرية والأحلام المودعة، مقيدة للطاقات الهائلة المختزنة في كيانه، مهمشة الدور المفترض للإنسان الذي يكمن أصلاً في المشاركة في مسيرة البناء للحضارة الإنسانية وسط المنظومة الكونية الكبيرة، لتحقيق الغاية من الخلق التي يتبناها الدين الإسلامي، خلافة الله في الأرض.

أضف إلى ذلك الخطاب التعليمي المتمثل في المناهج التعليمية، والخطاب الإعلامي الممثل للسلطة عادة، المنتهجان نسق التلقين الموصل للتدجين، ما ينعكس بدوره على الأسرة الصغيرة التي يمارس فيها الأب دور الرب الصغير متفردًا برأيه وقراره. كما يجري العمل - في الوقت نفسه - على خنق كل صوت يخرج عن هذا الإطار لتشكيل الفكر الأحادي الذي لا يرى غيره، حاظرًا كل أشكال التعبيرعن الرأي عبر مختلف الوسائط المتعددة، المقروء منها والمسموع والمرئي، وكذلك الحق في التجمعات السلمية وتكوين الأحزاب والجمعيات التي إن سُمح بها ففي حدود الدائرة الضيقة التي أرادوا لها أن تستحوذ على المساحة كلّها.

ما الذي نحتاج؟

بعد هذه المقدمات، أعود لأقول: نحن بحاجة إلى تقوية ثقافة المشاركة بالرأي وصناعة القرار لدينا بالاشتغال على المسببات المذكورة التي أدت إلى ضعفها، والتأكيد على أهميتها - المشاركة - ودورها الفاعل في صناعة القرار، ولا يحتاج إثبات جدواها سوى نظرة سريعة إلى الدول الغربية التي قطعت شوطًا طويلاً في الحياة المدنية، انعكست على ازدهارها ونهضتها وتنميتها في شتى مناحي الحياة، لا سيّما الاقتصادية والثقافية والسياسية.

نحتاج إلى دعوة الشعوب للتنور والتنوير بهذا المطلب، كما نحتاج إلى دعوة الحكومات والدول التي ما زالت متخلفة عن الركب بضرورة اللحاق السريع والعاجل، وإلا فالزوال غرقًا بطوفان الشعوب الهادر - القادم حتمًا وإن تأخر - هو مصيرها، ساعتئذ، لن يجدي أي تشبث بقشات/ قشاش في الماء، فإن حكومة لا تستمد قوتها من إرادة شعبها، حكومة ضعيفة وإن قويت عدتها وعتادها، وهي إن لم تكتسب تأييده كانت الخصم له، والتاريخ البعيد والقريب مكانًا وزمانًا قد أطلعنا على مآل كل من خاصم شعبه، وناوأ ناسه.