آخر تحديث: 22 / 1 / 2020م - 9:09 م  بتوقيت مكة المكرمة

تعلموا من تولستوي

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

في العشرين من نوفمبر «تشرين الثاني» 1910 توفي المفكر والأديب والفيلسوف الروسي ليو تولستوي، قبل أعوام قليلة من نجاح الثورة البلشفية «1917»، مات غريبا في محطة قطار «آستابوفو» متأثرا بالالتهاب الرئوي الذي أصابه من شدة البرد وهو في طريقه إلى بلغاريا، بعد أن هجر زوجته صوفيا كاتبا لها: «لم أعد قادرا على ممارسة الحياة اليومية في هذه الرفاهية التي تحيط بي، وبات الثراء يخنقني!».

لقد ترك تولستوي أثرا عظيما على العالم من بعده، وكان إحدى أبرز الشخصيات التي صنعت التغيير منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم.. وقد كرس حياته للدعوة للمحبة، ونبذ العنف والكراهية، وتهذيب السلوك العدواني. ورغم كونه يتحدر من أسرة برجوازية فقد كان زاهدا انحاز للفلاحين والفقراء والمسحوقين وناضل من أجل حقوقهم، وألهب مشاعر المناضلين المطالبين بالمساواة، وكان صادقا مع نفسه ومع شعاراته، واختط طريقا إلى الحقيقة لا يمر عبر فساد النخبة السياسية ولا الطبقات الأرستقراطية ولا حتى رجال الدين الذين نابذوه وفرضوا عليه حرمانا كنسيا. وأدار ظهره لكل هذه القوى ويمم وجهه نحو العامة والدهماء من الناس البسطاء..

في روايته الشهيرة «الحرب والسلام» يكرس تولستوي دوره كمثقف صانع للتغيير، فهذه الرواية التي تدور أحداثها في بداية القرن التاسع عشر تعري حياة الترف والبذخ التي كان النبلاء القياصرة يعيشونها خلال اجتياح القائد الفرنسي نابليون بونابرت الأراضي الروسية.

واعتبرت أفكاره المحرض الرئيسي لاندلاع الثورة، ووصفه لينين بأنه كان «مرآة الثورة الروسية»، لكن ما هي الوجبة التي كان يقدمها تولستوي للجماهير التي كان يلهب فيهم الحماس..؟ هل كان يثير فيهم غرائز الثأر والانتقام والتفجير وتقطيع الرؤوس وصلب الأجساد..؟ أم كان نضاله الأول في تنقية الثورة من السقوط في وحل العنف والاقتتال..؟

خلال السنوات التي سبقت الثورة الروسية، برز مفهوم «العنف الثوري»، أي الكفاح المسلح، وهو مفهوم خطير لم تنج منه هذه الثورة، لكن تولستوي كان يضخ ثقافة مضادة تدعو للتغيير السلمي وعدم الوقوع في فخ الأعمال الفوضوية، وهو القائل: «العنف يولد العنف.. ولهذا تتمثل الطريقة الوحيدة للتخلص منه في عدم ارتكابه».

وهو القائل: «من الغريب التفكير في الحياة المرعبة الحقودة التي يعيشها معظم البشر الذين ولدوا لأجل المحبة والخير».

أهمية استذكار سيرة تولستوي، أننا نفتقد اليوم المفكر الملهم لهذه العواصف التي تسمى ثورات والتي تجتاح العالم العربي، فحين غاب المفكرون والمثقفون سرق الانتهازيون حركات التغيير وسطوا على أحلام الناس البسطاء، واستولوا على حماس الشباب، وقادوا الجميع نحو المحرقة، ونحو الهاوية.. لقد أصبحت الجماجم والجثث جبالا يعتلي فوقها دعاة مزيفون، وقادة متسلطون، ومحاربون أفاقون يقتلون الناس وينشرون الخراب باسم الدين والجهاد.

قبل مائة عام اقتبس المهاتما غاندي من تولستوي قبسا لصنع التغيير دون سفك الدماء.. وانتصر.! وما هو أهم من سقوط العروش المتجبرة.. إقامة الدولة العادلة التي يشيع فيها الأمن والاستقرار.. فكانت الهند أكبر ديمقراطيات العالم، هبة التغيير السلمي..