آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 12:08 ص

اليوم الوطني وحب الوطن

حسين رمضان آل قريش

بمناسبة اليوم الوطني لبلادي المملكة العربية السعودية، من الضروري أن يجتهد المواطن الذي يعيش في المهجر بعيداً عن ارض الوطن لأظهار حبه وعشقه وولائه لوطنه وذلك بترجمة تلك المشاعر للشعوب الأخرى، والقيام بأعمال جماعية تبرهن على أن المواطن السعودي كغيره من البشر الذين يدينون بالولاء لأوطانهم

وفي المناسبة السابقة برهن الطلاب والطالبات أثناء إحتفالاتهم باليوم الوطني على صدق هذا الشوق والحنين الذي يعتمل في نفوس الشباب يتحول الى رغبة جامحة في ترجمة تلك المشاعر المشروعة التي أرتبطت بفطرة الإنسان أرتباطاً وثيقاً، وقد ورد في التراث الأنساني ما يدلل على مشروعية هذه الغريزة.

على الصعيد النظري هناك من الروايات والأحاديث في الكتب المقدسة لكل الأديان، ويمكن القول أن الدين الأسلامي هو من رسخ هذا المفهوم وجسّده نبي الأسلام محمد عليه أزكى الصلاة والسلام حيث قال: «حب الوطن من الإيمان» ربما يقول البعض أن الحديث مكذوب، ولكن ما تواتر عن النبي ﷺ وصحبه في حبه وشوقه لمسقط رأسه يكفي دلالة على حب الوطن.

على الصعيد العملي الواقعي، فإن هذه الغريزة لا ينفرد بها الانسان وحده وإنما يتعداه الى كل الكائنات الحية وربما يتساوى فيه الانسان والحيوان، وقد أثبت العلماء أن الحيوان يألف مكان عيشه، وإن هاجر عن موطنه في فصول العام ما يلبث أن يعود إلى أوكاره، وكنا في صغرنا عندما تنزعج أمهاتنا من قطة تأمرنا بإخراجها من المنزل فنقوم بنقلها من مدينة الى مدينة آخرى ربما تبعد عشرات الكيلومترات، وبعد يوم أو يومين ما تلبث أن تعود، فسبحان الذي أعطى كل نفس هداها.

ربما يتصور البعض أن مجرد الخروج من الوطن لأسباب إنسانية كفقده مصدر رزقه مثلاً فيعيش مضطراً وهو في حالة العوز والحاجة الى الناس ثم يكون فريسة للذل والهوان أوأسباب سياسية، فيعيش الإنسان حالة من الإضطهاد والكبت والظلم وسلب الحق والتمييز، عبثاً وتنكراً للإرض والوطن، هذا التصورغير صحيح، ويخالف فطرة الإنسان، وقد قال الله سبحانه وتعالى «إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا» سورة النساء آية 97 فأرض الله ليست بالضرورة موطن الانسان الذي ولد فيه وهنا يتوجب عليه كسر هذه القاعدة والعمل بالقاعدة الأهم التي سوف يسأل عنها أذا قصّر ورضي بالذل والهوان، يقول: الإمام علي «الفقر في الوطن غربة والغنى في الغربة وطن».

حب الوطن يتغلب على جمال الطبيعة والمناخ

إن الذين جربوا العيش في أمريكا وأوروربا يجيبون على هذا السؤال إذا رجعوا الى ذواتهم وحاكوا فطرتهم فإن هذا النعيم الزائف لا يصمد أمام حب الوطن والإلتصاق به والاحساس بالانتماء اليه، هذا الأمر كنا نتصوره عند المتقدمين في السّن الذين يرومون العودة الى أرض الوطن مهما كلف الامر، لكن هذا التصور سقط مع إجراء عيّنة مسح على الطلبة والطالبات من المملكة العربية السعودية الذين يبلغ عددهم أكثر من عشرين آلفاً فقط في الولايات المتحدة الأمريكية، نتيجة المسح أظهرت الغالبية العظمى ينتظرون العطلة الصيفية بفارغ الصبر، مع أنهم يعلمون أن الشهور الثلاثة، جون، جولاي، أوغسطس، من الشهور التي تصل درجة الحرارة فيها الى 45 درجة مئوية، والمواطن السعودي يفرّ من جحيم الصيف إلى الأماكن البارده، ولكن حب الانسان لوطنه فطرة مزروعة فيه فإنه ليس من الضروري ان يكون الوطن جنة مفعمة بالجمال الطبيعي تتشابك فيها الاشجار وتمتد على ارضها المساحات الخضراء وتتفجر فيه الإنهار، كي يحبه ابناؤه ويتشبثون به، فقد يكون الوطن جافا، مناخه كما هوالحال في مناخ دول الخليج، الشمس فيه تحرق الخضر واليابس.

الإجتهادات في تعريف المواطن الذي تنطبق عليه شروط المواطنه، فمنهم من أكتفى بوصف الإنسان الذي يحمل مشاعر الحنين الصادق لوطنه عندما يُغادره إلى مكانٍ آخر، ويعتبر ذلك دليلاٌ على قوة الارتباط وصدق الانتماء. ومنهم من أشترط صدق الإنتماء الى الدين أولاً ثم الوطن ثانياً، وفي الحقيقة يبقى الإنتماء ناقصاً إذا أكتفى المواطن بحبه للإرض دون الإنسان الذي يعيش معه على تلك الارض والعيش معه بسلام وتآلف ومحبة وتآزر وتآخي مع كل المواطنين الذين يمثلون في مجموعهم جسداً واحداً يواجهون كل التحديات وإن إختلفت آرائهم ومشاربهم ومذاهبهم في ظروف الحرب والسلم، فإذا تحقق العمل من الجميع على صيانة وحماية حياة إبناء الوطن وتحقيق العيش الكريم، بهذه الشروط يعرف المحب والعاشق لوطنه.