آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 12:08 ص

اليوم الوطني.. مسيرة ومصير

حامد عبد الله آل سعيد

نعيش هذه الأيام فرحة، ونحتفي غبطه بذكرى اليوم الوطني المجيد لتوحيد مملكتنا الغالية على قلوبنا جميعاً، وطن الخير والعطاء والنماء، أرض الحرمين الشريفين، مهد ومثوى الرسول الأمين، ومهبط رسالته، المملكة العربية السعودية على يد الموحّد جلالة الملك الراشد المؤسس «عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود» رحمة الله عليه بموجب المرسوم الملكي السامي رقم 2716 المؤرخ في 17/ جمادى الأول /1351 هـ  الموافق لليوم الأول من الميزان المقابل ل 23/ سبتمبر / 1932 م. بهذه المناسبة المجيدة أتقدم بصادق التهنئة وببالغ الغبطة لمقام خادم الحرمين الشريفين الملك «عبد الله بن عبد العزيز آل سعود» سادس الملوك الراشدين حفظه الله ورعاه وسدد بالتوفيق خطاه، وللشعب السعودي الأصيل النبيل، أعادها المولى عزّ وجلّ علينا جميعاَ مراراً وتكراراً ووطننا المفّدى بعزّة وأكثر لحمة، وأمن وأمان، وألفه وانسجام وسلام واحترام بين نسيجه المجتمعي.

أمن الأوطان واستقرار المجتمعات يعتمد على إزالة عناصر التوتر الداخلية وتنظيم العلاقات البينيّة بين مختلف المكونات وسيادة ثقافة التسامح والحوار البنّاء، من مفهوم العدل والمساواة وتستهدفهما معاً في آن واحد بصياغة علاقة إيجابية حسنه وحضارية وفق مقتضيات ومتطلبات القيم الإسلامية والإنسانية تعبيراً صادقاً وأميناً عن عدل وسياسة الإسلام وإنسانيته، وأن لا نتمادى في إعلاء واقع اجتماعي تسوده البغضاء والفتن والصدامات والحروب الأهلية والتنافر والتفتت. لأن الصواب في نمط العلاقات الإنسانية ما تحثنا عليه نصاً الآية الشريفة: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير» على قاعدة التعارف مع الآخر بالاعتراف بوجوده وبرأيه وبفكره ومعتقده وعرقه وجنسه وهي كسبية لا ذاتية.

عليه، هذه محاولة لتسليط الضوء ونقد بعض سلوكيات وظواهر مجتمعنا السعودي المعاشة والممارسات السلبيّة التي حوّلت مجتمعنا لبيئة طارده ومحبطة للسلم الأهلي، حاضنه خصبه تحيل الخلافات والاختلافات بين الشركاء في الوطن إلى صراع دائم بدلاً من إدارة خلاف أو اختلاف إلى قائم يمكن التفاهم بخصوصه والتأقلم عليه ومعه. مما يضعف اللحمة الوطنية والجبهة الداخلية، وهذا الحال يجعلنا مجتمعاً سهل الاختراق والتمزق أمام المخاطر المحدقة بناً وطناً وشعباً ومقدسات من قبل فئة عابثة مستهترة بكل القيم الإنسانية المسمى «بداعش أو الدولة اللاإسلامية» التي تواصل تقطيع أوصال الأمّة جغرافياً، سياسياً، اجتماعياً، وأخلاقياً. تنظيم مقيت ذو جبروت قوي يتصف بالوحشية يتنامى ويتمدد ككرة من لهب شيطاني جهنمّي من بلد إلى آخر دونما وازع من دين أو ضمير يبني عرش أمجاده الواهية على جثث وأشلاء ضحاياه بلا رحمة وبلا إنسانية بل في تباه وغطرسة خرقاء، باسم الدين والدين منهم ومما يفعلون براء، تنظيم قادر على استنهاض خلاياه النائمة في بيئاته الحاضنة من المُغرر بهم من صبيّه وفتيّه ومتعاطفين، مرغمين ومأجورين من دول عدّه مختلفة. هذا الذئب أو الضبع البشري المتربص بنا ومهدد باجتياحنا عبر الحدود - سيكون رجالنا البواسل له بالمرصاد لردعه ودحره إن سولت له أطماعه على الاجتياح - لكنه قد يستغل ويستفيد من المناخ الفتنوي البالغ السوء واللاعقلانيه المسيطرة على أجواء مجتمعنا في الداخل «سنّة / نواصب، شيعة / روافض، بدو، حضر، إلحوج، ساده، عبيد … وقس على هالمنوال الإقصائي وحدّث ولا حرج. هذا المناخ السلبي قد يوصلنا كنسيج اجتماعي إلى مجهول لا يُحمد عقباه.

نعم قوى الأمن الداخلي مؤهلة للتعامل أمنياً وتعقب العابثين ولكن، هل الحل الأمني وحده سيكفي..؟ سبق أن تعرضنا لظاهرة «جهيمان»، ثم جاءت بعدها ظاهرة «القاعدة» دُحر الإرهابي وبقيت بيئته لهذا لا نزال نعاني منه، لأننا لم نتصدى للفكر التكفيري الإرهابي الإقصائي ولم نحصّن جبهتنا الداخلية بثقافة المحبة والسلام والتسامح والتعارف مع الآخر المختلف، ولم نحقق العدالة والمساواة بين أطيافه كي لا تزداد الأزمات تفاقماً ويزداد المجتمع تشرذما.. فما نحن فاعلون..؟

حينما وحّد الملك عبد العزيز رحمه الله هذه البلاد، كان المجتمع بعمومه آنذاك يعاني الأميّة والتخلف عن عصره، قبائله وعشائره في حروب بينيّه، جوع، خوف وفقر مذقع، لكن لا وجود للفتن والبغضاء الطائفية أو المذهبية، بل كانت العلاقات الحسنة من صداقات وزيجات متبادلة رائجة،، ثم أستتب الأمن والأمان ورغد العيش، حتى أصبح مجتمعاً متعلماً بجنسيه وفي تطور، نمو واستقرار مضطرد على كافة الأصعدة، عمّ البلاد وشمل العباد. لكننا في العقود الأخيرة بتنا نعاني فتناً وفرقة وبغضاءً وتنافراً بين أطياف النسيج المجتمع يبات جلياً في مفاصل وتفاصيل حياتنا اليومية، ينخر بجسدنا الموّحد وعيشنا المشترك، مقتحماً بيوتنا، مدارسنا، ومناهجنا التربوية، مساجدنا، مدرجات ملاعبنا وشوارعنا ومصادر أرزاقنا، منغصّاً حياتنا ومحولها لتضاد أسمه سنّة وشيعة، فصار بعضنا السني يضيق درعاً إذا ما رأى صورة لمواطن بملامح تدل على انتمائه للبعض الآخر الشيعي على غلاف كتاب تربوي مدرسي أقام الدنيا امتعاضاً واعتراضاً ولم يقعدها إلا بسحب الكتاب من المدارس بعد توزيعه، هذين البعضين يعبدون ذات الرب وله موحدين، ويدينون بذات الدين ألا وهو الإسلام الحنيف بأركانه وأصوله وفي صلواتهم يوّلون وجوههم شطر ذات القبلة «الكعبة المشرفة»، إلا أنهم يختلفون في بعض فروع الدين كمذاهب. ردّة الفعل هذه توحي بأنّ هذا المواطن المختلف ”الشيعي“ مرفوض ومنبوذ في حقوق المواطنة ويعامل على مضض وريبه، أعتقد لو كانت صورة الغلاف إياها احتوت شخصية من دين سماوي آخر على سبيل الافتراض - إنّ وُجد - لقيل أنها تعكس قمّة المساواة وعظمة روح التسامح تتجلّى في أحلى صورها، فيا له من مصاب جلل يا ذوي الألباب. مجتمعنا السعودي بحاجه ماسّه وملحّه لإعادة تصويب ومراجعه ثقافته المجتمعية السائدة، وتغليب مصلحة وسلامة الوطن المشترك، فالوطن لا يُختزل ولا يحتكر في مذهب ما أو تيار، الدين لله والوطن للجميع.

إنّ الخطر الداهم على حدودنا، النائم بين صفوفنا، الداعشي الإرهابي، يستفيد من هذا المناخ اللاتوافقي لجبهتنا الداخلية وقد يستغله لضربنا في الصميم، فله بيئة حاضنة أو على الأقل غير ممانعة إذا ما هوجم الشيعة في الداخل مثلاً - لا سمح الله - إذ يعتبرهم البعض من إخوتهم السنّة شركاء الوطن امتدادا للمحور الشيعي في الصراع الإقليمي الدائر والمتفاقم، وكأنما الإقليم يخوض صراعاً أو حرباً دينيّه بين شيعة وسنّة، بينما هو في الحقيقة صراع سياسي بين دول في الإقليم، وللدول حساباتها، اعتباراتها، توازناتها ومصالحها، للدولة اعتبار وللوطن اعتبار آخر. المشهد في غاية الغموض والتعقيد والخطورة، يهددنا جميعاً على حد سواء، فلنكن سواسية معاً سنّة وشيعة في هذا الوطن صفاً واحداً متجانساً في خندق واحد ضدّ الإرهاب المزلزل الذي يستهدفنا دولة، وطناً وشعب، لا أن نكون ضحاياه، بل جبهة واحدة موحّدة متعاضدة لا متضاربة ومتلاسنه بردات فعل متباينة، كي لا يختلط الحابل بالنابل، العالم بالجاهل، الفقيه بالسفيه، المتفوه برأي كوجهة نظر أو مقولة بالإرهابي المعتوه المتمترس خلف ضغائنه، المتحزّم بحزام ناسف أو قنبلة. لنحصّن ونقوّي جبهتنا الداخلية وعيشنا المشترك بإعادة وصل ما انقطع وإصلاح ما فسد، فالوضع يتجاوز كونه خلاف رأي أو اختلاف موقف، بل مسيرة ومصير وطن.

يا خادم الحرمين الشريفين وسادس الملوك الراشدين، صمام الأمان للوحدة واللحمة الوطنيّة، وبيضة القبّان في وللرعية، الوالد القائد، الملك الحكيم، الإنسان، المقدام، الهمام، أناشدكم وعضيدكم المبجّل المقدام سمو ولي عهدكم الأمين الموقّر حفظكم الله سادتي وسدد بالنصر والتوفيق خُطاكم، أناشدكم لما وفيما أنتم أهله بحكمتكم وحنكتكم ورؤيتكم الثاقبة وسعة صدوركم وحبكم لشعبكم العفو الكريم من لدنكم وهذا من شيمكم وتفضّلكم عن جميع سجناء الرأي ضحايا الأوضاع المؤلمة، المخيفة، القائمة والمحدقة بالأمة والوطن هذه الخطوة متى ما تفضلتم وتكرمتم بها باحتواء الأزمة القائمة واحتضان فلذات أكباد الوطن ستفتح صفحة جديدة ناصعة، ومناخاً إيجابياً في التعامل، والتفاهم والتناغم البيني بروح الوطنيّة والولاء، وبيئة طيبة خلاّقه يساهم هؤلاء المفرج عنهم بإذنه تعالى وببادرتكم المباركة في بناءها وتقويتها بمشاركتهم الفعليّة في تهدئة وتوعية محيطهم المجتمعي السنّي، الشيعي لما لهم من مكانة اجتماعية مرموقة ومؤثرة بشخوصهم وصفاتهم العلميّة والثقافية، فمن يساهم في البناء، لن يكون سبباً أو معولاً للهدم ذات يوم. ومن هؤلاء أذكر بعضاً منهم على سبيل المثال لا الحصر:

- د. عبدلله الحامد - الشيخ نمر باقر النمر - أ. وليد أبو الخير

- د. محمد القحطاني - الشيخ توفيق العامر - أ. رائف بدوي

- الشاعر عادل اللباد - الشيخ سليمان الرشود - الشاعر علي الدميثي

- أ. علي أحمد آل الربح - الشيخ مخلف دهام الشمري - أ. عبد الله المزرع

- والباقون من غير الفئة الضالة.

«العالم بكم سادتي تحالف ضدّ الإرهاب.. فلما لا نتوحّد ضدّه.» الّلهم أحفظ علينا النعم، وادفع عنا النقم، واكشف عنا الغمم، وأبعد عنا كل هم وغم. هذا.. والله من وراء القصد والنيّة وهو الهادي لسواء السبيل، والصلاة والسلام على حبيبنا المصطفى محمّد وآله الطيبين الطاهرين وعلى كافة الأنبياء والرسل من قبله وصحبه المنتجبين.