آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 2:38 ص

هل نحتاج إلى ”أسطرة“ الثورة الحسينية؟

شاكر أحمد تريك

بدايةً لست بِصدد مناقشة عاشوراء مِنْ وجهة نظر دينية وعقائدية فهذا خارج اختصاصي وخارج اهتمامي كذلك، وحتَّى لا يفهم أحدهم الموضوع بشكل آخر فإِنَّها أيضًا ليست دعوة لوضع أيِّ قيود على هذه الممارسة أَو غيرها فذاك مِنْ أبسط حقوق أيِّ إنسان أو فرد في ممارسة شعائره وطقوسه الدينية. إِنَّما دائرة اهتمامنا فقط سوف تَنْصَبُّ على ذكر بعض الظواهر والممارسات المصاحبة لهذه المناسبة ووضعها في إطارها الصَّحيح مِنْ وجهة النظر الإجتماعية والضغط على زناد العقل مِنْ أجل معرفة وتأشير الخلل والمسارعة لإصلاحه، فالخلل والعطب العقلي الثَّقافي تتحَمَّل كل نُخَبِ الأمة مسئولية تَبِعَاتَهِ وآثاره.

لا يمكن لأحد أَنْ ينكر القول بِأَنَّ ثورة الإمام الحسين ”“ هي ثورة العدالة في وجهِ الظُّلم والطغيان، وأَنَّها ثورةٌ إنسانيةٌ بجميع عِبَرِها وقِيَمِهَا، بإمكان كل الأجيال والمجتمعات المسلمة أو غير المسلمة، المتدينة أو غير المتدينة أَنْ يستفيد مِنْ دروسها، كَونَها ثورة قِيَم، والقِيَم سابقة على الأديان، أي أَنَّها تحتضن مِنَ الحيثيّات والعِبَر ما يكفي لأَنْ تكون ملهمة لكل الشُّعوب وعلى مر العصور والأزمان والأمكنة. هذا وكل أيام الحسين ”“ خالدة باقية، وجميع أدوار حياته مجيدة، واستشهاده قَبَسٌ منير ومشعلٌ وضَّاء، ينيران لنا الطريق الذي خطه لنا. فهي بالمجمل ثورة شجاعة ضد مظاهر التسلط والاستبداد. وحيث أَنَّ الجميع يرى ذلك وغير خفي على أحد فالسؤال الذي يطرح نفسه.. هل تحتاج تلك الثورة والملحمة البطوليّة إلى ”أسطرة“ حتَّى تستمر وتُخَلَّد وتنتشر بشكل أسرع إلى جميع المجتمعات وعبر الأزمان؟

ثورة الإمام الحسين ”“ ثورةٌ عقلانيّة بامتياز، واقعيّة بوضوح، نموذجيّةٌ بلا جِدَال، بعيدةٌ كلَّ البُعد عَنْ بعض الممارسات وعَنْ نماذج الأساطير التي رُويَت وتُروى. لكن - ومع الأسف - فَإِنَّ واقع الحال لا يعكس تلك الحقيقة! فمعظم الأفكار والوقائع المُدرجة فيها بات يغلب عليها الطابع الأسطوري، مما أَدَّى إلى التزايد المُطَّرِد في نسج القصص الخيالاتية والخرافات البعيدة كل البعد عن المقصد الذي ثار الإمام لأجله. فالكثير من قرّاء العزاء وخطباء المنبر الحسيني أصبحوا يتبارون في التنقيب عَنْ روايةٍ هُنَا أو عَنْ كتابٍ هُنَاك فقط لأنه يشتمل على حادثةٍ أسطوريّةٍ غريبة لِيَتِّمَ حشرها ودسها في الواقعة والأمثلة على ذلك كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر ”كأنْ يتكلم رأس الحسين، أو فرسه، وكأَنْ تُمطِر السّماء دمًا“. كما يجري التنافس فيما بينهم في مَنْ يُبْكِي الناس أكثر مُحَجِّمين القضية بذلك في درفِ دمعةٍ وليس في رسالة لتحقيق الإصلاح وإقامة العدالة.

إِنَّ مأساة عاشوراء حقيقة، لا علاقة لها بالمراسيم وبعض من الطقوس التي تُمَارَس في وقتنا الحاضر ومنذ العهد الصفوي بالتحديد، والآخذة بالتوسع والإزدياد في الحجم والمشاركة وخاصةً تلك التي لم تكن تحظى بقبول جماهيري قَبْلًا كضرب الزنجيل والتطبير وغيرها من ابتكارات لشعائر جديدة لم تكن موجودة آصلًا في السابق. كما أَنَّ مقتل الحسين ”“ غير ما نراه حاليًا مُجَسَّدًا في شوارع مدننا وقُرانا من أوهام، وغير ما يقوله عبد الزهرة الكعبي ”رحمه الله“ في المقتل: ”فبرز ثلاثة آلاف إلى الإمام الحسين“ ”فقتلهم. وبرز له عشرة آلاف فقتلهم“. ولا أجد أجمل من تعليق الراحل الشيخ الدكتور الوائلي ”رحمة الله عليه“ على هذا الباب عندما قال لمؤلف كتاب مقتل الحسين: ”إذا أعطيتك سكينًا حادّة وألف دجاجة، فكم تستغرق في ذبحها؟ ولنفترض أنك ستسغرق دقيقة لكل دجاجة، فكيف تقول إِنَّ الإمام قتل 35 ألف رجل خلال ساعتين بدءًا من الضُحَى حتَّى الظهر كما تذكر في كتابك؟“.

إِنَّ الخطورة في الأمر تكمُن في أَنَّ الوعي - الشعبيّ أو حتَّى العلمائي - ّ الحالي ما زال لا يتقبَّل النّقد العلمي لِتلكَ الممارسات والأساطير والخرافات، لأَنَّ في ذلك - وحسب رأي البعض - فيه هتك للعقيدة وضياع للمذهب، مما جعل من تلك الأسطورة أو الخرافة تكون مِنْ صُلبِ المذهب والعقيدة. لذلك أصبح مِنَ الضَّروري بمكان نقد الوعي القائم للمعتقد الدّيني وخلق عقليّة علمية مِنْ أجل التّعامل مع الأحداث والقضايا الدينية بشكل علميّ واقعيّ، خصوصًا أَنَّ في ذلك سبيل إلى تغليب الفكر الديني على الطّابع الأسطوري السّائد الَّذي يؤدي لتقزيم أي قضيّة بجميع أبعادها، في حين أن الفكر العلميّ الرّساليّ الديني يمكنه أَنْ يمتدّ إلى كافّة مساحات العالم ليصل إلى كلِّ المجتمعات والشُّعوب ليصلحها، وتلك هي غاية الثورة الحسينية.

للأسف الشديد فكثيرٌ مِنَ الخطباء وفي شهر محرم بِالذَّات يقوم باستغلال قضية الإمام الحسين ”“ لمصالحه ولأغراضه الدنيوية - والإمام أسمى وأَجَّل من هذا التوظيف الرخيص - وذلك مِنْ خلال دَسِّ السُّم في العسل وزرع الوهم والشَّك وبث الخرافات والبدع على المنابر، مستغلين سذاجة البعض مِنْ عامة الناس. إنها الطامة الكبرى على الإسلام بشكلٍ عام وعلى المذهب بصفةٍ خاصة مِنْ هؤلاء المُهرِّجِين. فما يقوم به مثل أولئك يختزل الفكر الشيعي في تلك الممارسات فقط، وبذلك فهم يُكَرِّسُوا الصورة المشَّوَهَة عَنِ الشيعة كأناسٍ لا يفقهون سوى اللطم والضرب بالسلاسل والكثير مِنْ الممارسات البعيدة عَنْ جوهر الفكر الشيعي الذي أنجب الكثير مِنَ المفكرين اللامعين الَّذين أَغنَوا الفكر الإسلامي بالكثير مِنَ المساهمات البارزه. أيضًا هُم يَطمِسوا الدور البارز للحوزات العلمية الشيعية عبر التاريخ في حفظ التراث الفكري العربي في مجالات الفقه والفلسفة والمنطق وغيرها من العلوم. فالمبالغة والإفراط على العموم يؤديان إلى نتائج عكسية وقد يفضيان إلى نُفُور الناس بدلًا مِنَ استقطابهم في وقتٍ نَحنُ أَحوجُ ما نكون فيه إلى استلهام القِيَم والمُثُل الإنسانية العليا التي سار على هديها الإمام الحسين ”“.

إِنَّ ما نَلحظَهُ اليوم في أَنَّهُ تَمَرُّ على الأمة الإسلامية ذكرياتٍ دينيةٍ وقوميةٍ ولكنها لا تستوقفنا لأخذ العبرة والدرس، بل باتت فقط لعقد مباريات الخطابة ومجالس البكاء والرثاء التي سرعان ما تتلاشى بذهاب المناسبة ويعرف النادبون كيف يحيوها بالتخدير وإثارة العواطف التي لا تجدي إلا في قتل الوقت والتنويم المغناطيسي. أما عن كيفية الاستفادة من هذه المناسبة فهذا شيء لا يدخل في حسابات إلا عدد قليل من رجال الدين والكُتَّاب والمفكرين المتنورين الَّذين ليس لنا إلا أن نشيد بعظمة أفكارهم ونهجهم، على الرغم من محدودية تأثيرهم في خضم التشعبات المطروحة على الساحة فهم الثقل والوزن النوعي الذي يمكننا الإعتماد عليه في مسألة التنوير والتأثير على الوعي العام. ناصبين أمام أعيننا أَنَّه متى ما تَحرَّرنا مِنْ سُلطَةِ الوهم والخرافة والشعوذة والغيبيات سنكون قد وضعنا أقدامنا على بداية السكة الصحيحة، سكة التقدم الإجتماعي والإزدهار الإقتصادي وكذلك السياسي.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 4
1
أبو محمد
[ القطيف ]: 26 / 9 / 2014م - 11:53 م
بما أن كاتب المقال شخص بعض الأمور بأنها من الأسطورة فإذا حلت الإشكالية فلتكن أسطورة مصاحبة لواقعة تاريخية حقيقية ..!!
كل الأمم لها أسطورات يتباهون بها ليكن ما شخصه صاحب المقال من الأسطورات التي نتباها بها ..!!
2
شاكر أحمد تريك
[ القطيف ]: 27 / 9 / 2014م - 3:20 ص
الأخ أبا محمد..

غالبيّة قصص الأساطير عبر التّاريخ نشأت من الحاجة الإجتماعيّة للحصول على معطيات مادّيّة مفقودة، فكانت مادّة آمن بها الفكر الإنساني في محطّاتٍ تاريخيّة عديدة، وذلك في إطار تفسيره لبعض الظّواهر الكونيّة ولأسباب نشأة الخلق ووجود الإنسان. ففي بعض المجتمعات كان الإعتقاد مثلًا بأنَّ الأرض يتعاقب على حملها ثوران، حين يتعب أحدهما يحملها الآخر فهل بمثل هذه الأسطورة يفخر ذلك المجتمع؟

وسؤالي الآخر، هل فعلًا تلك الأساطير أو الحوادث أو كما تحب أن تسميها تشكّل مكوّناً أساسيّاً من مكوّنات الدين؟ وإذا كانت كذلك فما هي الإيجابيّات الذي يمكن جنيها؟
3
أبو محمد
[ القطيف ]: 27 / 9 / 2014م - 12:42 م
متى ما تحررنا من سلطة الوهم والخرافة والشعوذة والغيبيات ..!!
هذا الكلام كم يوحي بوجود نسبة لا تقل عن النصف مما يسمى بشعائر يتصف به ..!!
الأسطورة لها جوانب إيجابية نعم وليس بحاجة الدين الإسلامي إليها وإنما الحياة الاجتماعية ترتب على الأسطورة نمط حياتي واقتصادي يخلق زخم تفاعلي لا يصدم مع الدين ولا يخلق روتين منصب بقوالب الفعل والترك
كل ما يثار قد يكون له واقع تاريخي القضية لم تحسم من قبل المؤرخين فعليه ترك التزمت والانتقادات في كل صغيرة وكبيرة .. وكما قيل وعلى نياتكم تبعثرون ..!!
.. لو الكلام في تفريغ محتوى القضية من أبعادها الأخلاقية أو الدينية لكان المقال انسب ..!!
المذهب الجعفري يجب ان يكون له خصوصية تميزه عن البقية والقضية الحسينية هي خير ما تميزه ..
4
شاكر أحمد تريك
[ القطيف ]: 27 / 9 / 2014م - 2:39 م
صحيح أن الأسطورة لها جوانب إيجابية لكن على الرغم من ذلك فهي تساهم في منع التّفكير العقلاني الحرّ من الإنتشار. كما أنها خيال يصبّ في إطار سياقٍ تاريخي يقوم على عناصر روائية ليست واقعيّة، بل هي خياليّة يُراد من خلالها إيصال رسالة محدودة غالبًا ما تنطوي على حكمة معيّنة، فلذلك فإنَّ الّذين يعتبرون أنَّ الأسطورة هي جزء من مكوّنات الفكر الدّيني، أو أنّها ضروريّة لخدمة ووظيفة الدّين ينطلقون من معطيات وضعيّة خارج دينيّة، لأنَّ ما يقال له أسطورة خارج الإطار الدّيني هو عبارة عن معجزة أو كرامة أو مقدّس داخل ذاك الإطار.

والأسطورة إذ تمثّل خيالًا ليس بالإمكان تبريره عقليّاً، فإن الدين بإمكانه تبرير المعجزة وإدخال اللا عقلاني في إطار عقلي غير مباشر عن طريق تبريره من خلال العَرَض لا من خلال الذّات.

أما بالنسبة لقضية الإمام الحسين "عليه السلام" فأعتقد أننا كلّما قدّمناها في إطار الصّفات الإنسانيّة وابتعدنا عن الإطار الإعجازي، كلّما كنا أقرب إلى الفضيلة، بينما قد نساهم في ضرب الرّسالة التي أراد الإمام إيصالها لنا في حالة الأسطرة.

أما عن ترك التزمت والإنتقاد كما تفضلت يا عزيزي.. فباعتقادي أنه من المفترض جدًّا أن نتناول كل الحوادث التاريخية وبالذات -التي لم تحسم من قبل المؤرخين- كما تفضلتم على أنه مجرد نظريات بشرية اجتهادية، قابلة للخطأ والصواب، قابلة للتغير أو التبديل، قابلة للنقد والتحليل، وخاضعة للغربلة والتقييم والأهم أن تخضع للدراسة المعرفية حتى لا تغيب العقلية النقدية.