آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 2:38 ص

السيد هاني فحص.. وداعا

يحار المرء الذي لا يعرف بشكل مباشر الاستاذ السيد هاني فحص الذي رحل عن دنيانا فجر يوم الخميس الماضي في تصنيفه فهو يمتلك إمكانات معرفية وعلمية عديدة واهتمامات متنوعة، لذلك ومن خلال لباسه الديني تخال أنك تتحدث عن رجل دين يجيد اللغة العربية وعلوم الأصول والفقه فقط، ولكن حينما تتعرف عليه بشكل مباشر وتجالسه وتحاوره تكتشف فيه قدرة ثقافية مذهلة وبلغة معرفية حديثة إذا لا يتكلف في استخدام المصطلحات المتداولة في عالم الثقافة الحديثة. 

ومن خلال معرفتي العميقة بالفقيد الراحل والذي تتجاوز الثلاثة عقود، أتمكن من القول أن السيد فحص ومن خلال حواراياته وأفكاره وكتاباته وندواته مفكر عميق، يجيد طرح الأسئلة والبحث عن إجابات عميقة عنها. وإن إجاباته التي يقدمها ليست نهائية، لأنه دائم البحث والفحص ودائم التفكير والمساءلة والنقد لما هو سائد وللخيارات المتداولة في المشهدين السياسي والثقافي. 

ومن خلال تعدد تجاربه الثقافية والسياسية أستطيع القول: أن الراحل الكبير السيد فحص تجاوز أوهام الأيدلوجية التي تغرس في نفس صاحبها حالة من النرجسية التي تبقيه على موقعه الثقافي والفكري بدون مساءلة وبدون البحث الدائم عن آفاق فكرية وثقافية وسياسية جديدة.

ففي كل لقاءاتي الكثيرة بالسيد فحص أنصت إلى جديد معرفي وثقافي وأزداد وعيا وإدراكا لبعض الأمور التي تجري في الساحتين العربية والإسلامية. لأن السيد بحيويته الفكرية وإمكاناته المعرفية كان يقدم باستمرار الجديد ويبحث عن تجاوز بعض المياه الآسنة التي توقفت عن الحركة سواء في الميدان الثقافي  المعرفي أو في الميدان الاجتماعي  السياسي.

فالنقد ومساءلة السائد من لوازمه المعرفية ولكن وهو يمارس النقد وإن كان في بعض جوانبه حادا، إلا أنه وفي كل الأوقات كان يدمج بين النقد والحب والمحبة ويعتبر أن النقد لا ينفك عن الحب، لذلك فهو يمارس النقد في بعض الأحيان بذهنية الأب الذي يبحث لإبناءه أفضل الخيارات. فهو لا يعرف الكره والضغينة وذهنية التآمر على من يختلف معه. يفكر دائما بصوت مسموع ويعبر عن هواجسه المعرفية كذلك، في لقاء تلتقيه تجده شعلة من النشاط الفكري والمعرفي، ويدخلك من خلال أحاديثه التي تدمج دائما بين الفكري والسياسي في آفاق جديدة، تدفعك دائما صوب إعمال العقل والتفكير العميق فيما تحدث به. فهو ينطلق من خيار فكري وثقافي ويبحث عن تجلياته السياسية والمجتمعية، ومن خلال هذه التجليات يطور في الفكري والمعرفي ويمارس عملية النقد التي لا تستهدف التدمير المعنوي أو المادي، بل تستهدف التقدم في الحياة الاجتماعية والسياسية. فهو دائم الانشغال بقضايا الأمة الكبرى، وحينما يتعاطى معها ثقافيا وسياسيا، يتعاطى معها بوصفها هي القضايا الملحة التي ينبغي أن نضحي بكل شيء من أجلها.

لذلك تمكن السيد الراحل هاني فحص من التقاطع والتعاون مع ساحات معرفية وسياسية عديدة، وإن كل هذه الساحات لم يبخل عليها السيد برأي أو مشورة أو نصح. وحينما يعبر عن رأي أو يقدم نصيحة أو مشورة، لا يقدمها إليك بذهنية باردة بل يقدمها في سياق قلق معرفي عميق، بحيث تكون هذه الرؤية أو النصيحة خلاصة تجربة ومسيرة فكرية وسياسية طويلة.

وحينما تختلف معه في رأي أو تقويم شخصية أو موقف سياسي أو قناعة فكرية يبتسم ابتسامته الأبوية المعهودة ويتوج هذه الابتسامة بمقولة: إن شاء الله يكون كلامك صحيح. لا يعرف أن يكره، يمارس النقد بعمق وفي بعض الأحيان بجدة، إلا أنه بعيد كل البعد عن كره من يختلف معه. يعبر عن قناعاته الفكرية ومواقفه السياسية بصراحة تامة وفي بعض الأحيان صادمه إلا أنه يتحاشى بشكل دائم الفجاجة في القول أو القدح في السلوك.

عقليته ونمط تفكيره مركب، لذلك ينحو بشكل دائم تجاه أية ظاهرة فكرية أو سياسية إلى البحث عن تفسير علمي وفكري لها قبل اتخاذ موقف عملي منها. يستهويه عالم الفكر والبحث الدائم عن المعرفة الجادة، ولكن دون انقطاع عن الواقع والحياة العامة بكل شجونها ومتطلباتها. يسعد بالاختلاف الذي يثري المعرفة والواقع ويعمل بشكل دائم على تجسير العلاقة مع المختلفين. ودائما يعتبر تجربته في مشروع الحوار الدائم اللبناني من أرقى وأثرى المشروعات والمؤسسات التي عمل ونشط فيها. لأنه أدرك أن التنوع الهائل الذي يشهده الاجتماع اللبناني هو من أهم عناصر جماله وقوته، ولكن يحتاج هذا التنوع إلى رعاية وحماية وإثراء معرفي، فكانت مؤسسة الحوار الدائم هي الرافعة الثقافية والوطنية لذلك.

فالسيد فحص عشق لبنانيته واعتز بوطنه من خلال اعتزازه بحق الاختلاف وضرورة التنوع. لذلك فإن السيد هاني فحص وهو عالم الدين الذي ينشغل بقضايا الأمة الكبرى عاشق للبنان الحر التعددي على المستويين الثقافي والحضاري.

فلم يشعر السيد في كل مراحل حياته، أن وطنه المتعدد والمفتوح على كل الخيارات الحضارية هو وطن الضرورة، بل عده واعتبره وطنه النهائي الذي يجب حمايته وإثراء تجربته بوصف لبنان معنى ورسالة قبل أن يكون أرضا وجغرافيا.

وبرحيل هذا العملاق الفكري والإنساني خسر لبنان والعرب شخصية متميزة ودائمة العطاء وصاحب رؤية الحوار أولا ودائما وحق الجميع بالاختلاف ورائد من رواد الاعتدال في المنطقة العربية، وحرمة الاحتراب الداخلي بين العرب والمسلمين وجماع القول: أن السيد هاني فحص هو أحد رجالات الحوار والوحدة والقبول بالتعددية ومقتضياتها وإن رحيل السيد ينبغي أن يدفعنا جميعا للعمل المتواصل لتعزيز قيم الوحدة والحوار والتعددية في فضاءاتنا الاجتماعية والثقافية. وإن الساحة العربية والإسلامية أحوج ما تكون اليوم إلى تلك القيم والأفكار التي آمن بها الفقيد هاني فحص ونذر حياته في سبيل حمايتها والدفاع عنها.

هذه الكلمات لا تفي السيد حقه، لأنه نشط وبادر وأسس في أكثر من حقل وصعيد ومستوى فهو عالم الدين الذي يفتخر بتجربته الحوزوية وبعشقه إلى مدينة النجف، كما هو المثقف الذي امتلك ناصية الثقافة الحديثة وتواصل بعمق مع مصادرها الأساسية.

وهو السياسي الذي جسر العلاقة بين أطراف سياسية متباعدة ومتنافرة. وهو قبل كل هذا هو الإنسان الذي تفرغ لخدمته بعيدا عن انتماءات هذا الإنسان الدينية والأيدلوجية.

وكل هذه الأدوار والمهام النوعية التي يشتغل عليها سيجها بقلب كبير يحب الجميع ولا يكره أحدا مهما تباعدت القناعات والمواقف، ولم يتورط بخطابات ثنائية خاصة وعامة، فكل خطاباته سواء كانت في جلسة مغلقة أو صالة مفتوحة ذات مضمون واحد. ينتصر للإنسان مطلق الإنسان، يعمل باستمرار على تدوير الزوايا وتظهير المساحة المشتركة، يحفل بالسؤال والنقاش الجاد والحر، لا يرتاح نفسيا وعلميا إلى الأجوبة الجاهزة والمعلبة، ويمقت العنف بكل صنوفه وأشكاله، ويعشق الحوار المفتوح على أفق التعايش وتنمية المساحات المشتركة. كما يرفض الانحباس في حروب التاريخ، ويحث بشكل دائم على التطلع نحو المستقبل بعيدا عن أحن الماضي وعقد وحسابات الراهن.

ويعتبر التعدد الديني والمذهبي والثقافي والسياسي، من نواميس الوجود الإنساني الذي تتطلب الرعاية والحماية القانونية والسياسية والاجتماعية.

لذلك كله نقول للسيد وداعا، وسنفتقدك كثيرا شخصا وفكرا.

كاتب وباحث سعودي «سيهات».