آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 2:38 ص

المبتعث بين مجتمعين «2 - 2» ‎

حسين زين الدين *

كثيرا ماكنا نسمع من منابر متعددة دينية واجتماعية تحذرنا من محاولات الانبهار بالمجتمع الغربي أو الاستغراق في حبه أو الذوبان في حضارته.

وأحسب أن ذلك الخوف عائد أساسا إلى حالة الخوف على الهوية بما تمثله من أعراف وقيم وعقيدة، وهو خوف لا مبرر له سوى الخنوع لمسوغات واهية ترتسمها خطاباتنا المخيلة في عقليتنا الثقافية والاجتماعية التي تحاول خلق عدو وهمي في ظل تموجات الهويات المتسارعة اﻷخرى في عالم لا يعرف الجمود والركود.

حقيقة كنت أتوقع أنني أغرق في الانبهار بالمجتمع الغربي والاستغراق في حبه، هو توقع مبني على القاعدة السابقة - سالفة الذكر - لكنني حقيقة اصطدمت خلاف ذلك بواقع بعض المبتعثين، وهو توقع عكس ما كنت أتصوره في مخيلتي في أن برنامج الابتعاث خطوة في تجاه صناعة جيل واعد متطلع لحياة أرقى، وإن كان فعلا هو المطلب والهدف، لكن ماشاهدته وسمعته عن البعض بل الكثير ممن التقيت بهم، أن الكثير منهم لا يستثمرون فرصة برنامج الابتعاث بالشكل المطلوب في صقل شخصيتهم ومهاراتهم الفكرية والعلمية باﻹستفادة من منجزات الحضارة الغربية وما قدمته للعالم.

كان باﻹمكان أن نحافظ على هويتنا بالانفتاح على الهويات اﻷخرى والاستفادة من خبراتها وتجاربها، إن عملنا فعلا في تفعيل العقل في التعاطي معها بشكل إيجابي وسليم والتخلص من تبعات أعراف وتقاليد مجتمع الأم التي تعوّق من انفتاحه وتفاعله مع المحيط الجديد، ولا أعني بذلك التخلي عن ديننا وقيمنا التي لا تتنافى في الأصل مع التطور العلمي في تلك المجتمعات، وإنما ينبغي أن نؤكد فهمنا الحقيقي للدين ومنظومته القيمية الذي يحث على التواصل وعدم القطيعة.

نعم قد تكون لكل مجتمع طبيعته الثقافية وخصوصية الاجتماعية وخلفيته الأيدلوجية، لكن ذلك لا يمانع من الانفتاح على المحيط الجديد مع الالتزام بالقيم الدينية والأخلاقية؛ لأن ذلك سيساعدنا على نقل قيم ديننا ومجتمعنا إلى تلك المجتمعات مع الاستفادة من إيجابيات تلك المجتمعات ونقلها لمجتمعاتنا.

فالكثير من اﻷفكار والبرامج التي يحاول العديد من طلابنا المبتعثين عرضها في المجتمع اﻷمريكي خاصة تلك التي تلامس الروح اﻹنسانية، هي محل اهتمام وإعجاب من المجتمع اﻷمريكي نفسه، وهي دلالة واضحة على تقبل هذا المجتمع إلى اﻷفكار الجديدة دون تحفظ لها بل تدفعه تلك البرامج إلى التساؤل والبحث والاطلاع، مما دفع ببعض المبتعثين من الاستفادة من المناسبات الدينية والوطنية للتطوع في تقديم صورة مشرقة عن الإسلام والوطن من خلال البرامج والفعاليات التي تحمل أبعادا إنسانية واجتماعية للتعريف بها للمجتمع الأمريكي لتبيّن سماحة الدين الإسلامي في التعايش مع الآخر ومشاركته الحياة بكل حب وسلام وتعكس الصورة الفعلية عن مجتمعنا.

لقد ساعدت تلك البرامج والأنشطة في تقديم بعض المبتعثين الواعين أنفسهم ووطنهم تقديما مشرّفا بانضباطهم الأخلاقي والدراسي والتزامهم بقوانين وأنظمة تلك الدول.

في المقابل ومما يؤسف عليه حقيقة أن بعض المبتعثين لاتزال الخلافات الدينية أو المذهبية أو الطائفية أو المناطقية تفرض سلطتها إلى حد التضخم على عقليتهم، فقلما تجد تواجدا لسني مع شيعي في مناسبة دينية أو وطنية أو اجتماعية، كان من المفترض تجاوزها وكسر حاجز القطيعة التي كانت بينهم بالانفتاح والتواصل في البيئة الجديدة المهيأة لذلك، وهو ما أراه واجبا على الجميع العمل والالتزام به، والدعوة له في المناشط والمجاميع الطلابية بدعوة الجميع إلى التلاحم والتكاثف والانفتاح على بعضهم البعض، والتشديد على ألا تكون تلك المناشط مرتعا للتشدد والكراهية والتطرف.

إن من الجميل أن من يزور أمريكا يجد الكم الهائل من الجامعات العلمية والمراكز البحثية التي تعمل على تأهيل طلابها تأهيلا ثقافيا وأخلاقيا للتكيف مع الظروف والأجواء الجديدة التي تستقبلهم، وإطلاعهم على أنظمة وقوانين الإقامة في تلك المجتمعات، إضافة أنها تتيح الفرصة للمبدعين والطامحين بإكمال دراساتهم العليا وتشجيعهم على بناء مشاريع تنموية بتوفير المساعدات ومساعدتهم على مواجهة العقبات والتحديات.

ومن المفارقات الجميلة أن تلك الجامعات والمراكز تؤسس لحالة الاندماج والانفتاح الفكري والثقافي والاجتماعي على كافة المجتمعات الإنسانية، إضافة إلى أن القوانين والتشريعات تنهض بفكر الفرد وقيمته، وهو ما ينبغي على المبتعثين الانتباه له والاستفادة منه.

وأرى قبل الختام من المهم الإشارة إلى نقطة تتعلق بأوضاع المبتعثين خاصة المعيشية التي تختلف مستوياتها باختلاف مدن المبتعثين وولاياتهم، فالمكافأة التي لا تتجاوز 1847 دولاراً لا تغطي كافة احتياجاتهم والتزاماتهم لارتفاع مستوى المعيشة، وتزايد المصروفات العائلية والحضانات، وهو ما ينبغي على الملحقيات الثقافية النظر بأهمية بالغة في أوضاع المبتعثين وتفقدها، إضافة إلى تسهيل جميع الإجراءات وسرعة إنجازها.

وأخيرا كشف برنامج الابتعاث كفاءات وطنية متميزة في مجالات مختلفة ومتعددة نال بعضها على براءة اختراع كان للنساء النصيب اﻷوفر كل في مجال اهتمامه وتخصصه ليثبتن جدارتهن للعالم وللذين حاولوا ويحاولون دفنهن في مجتمعهن وإعاقة دورهن الحقيقي في بناء المجتمع والوطن.