آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 2:38 ص

الهواية والجنس

لا ينفك الشاب من فطرة أودعت فيه تميل معه مع كل رغبة وتثور كالبركان عندما تُحرض على ذلك؛ وقد تبلغ أوج ذروة الثورة الهرمونية ”التستورونية“ في مرحلة المراهقة؛ هذه المرحلة التي تُعد الأخطر من مراحل الإنسان وأكثرها حساسية؛ وذلك توافقاً عما يملي عليه الأداء الوظيفي لهرمون التستورون وحيث أن له وضيفتان مزدوجتان: أندروجينية androgenic وأخرى بنّاءة anabolic وعند غياب النشاط بصفة عامة والنشاط البدني بصفة خاصة يندفع هذا الهرمون إلى إتجاه واحد فقط وهو الجنس.

ولا تستثنى الإناث من ذلك الهرمون فهو المسؤول لديهن عن الرغبة الجنسية أيضاً غير أنه ينتج لديهن بصورة ضئيلة فهو أكثر بكثير منه لدى الذكور.

ولا شك أن ترويض الرغبات الجامحة لدى الشاب والشابة في مجتمع شرقي محافظ ولإعتبارات دينية لن يكتب لهذه الرغبات النجاح والإنطلاق بشكل مطلق وانفلات للشهوات؛ لكنما الحلول المتداولة غير ناجعة وواقعية سواء تكميم وكبح هذا البركان المستعر من تلك الثورة الإندروجينية لكلا الجنسين سواء كان بتكميمها وكبحها أو بتفريغها وإطلاقها نحو إرتباط وزيجات مبكرة جداً تكن جريمة بشعة في حق الإنسانية بحجم الإنفلات على النسق الغربي؛ وبهذه الأسطر قد نؤثث إلى مفهوم وسطي يقوم على التحكم في تلك الرغبات الجنسية من خلال توظيف هرمون التستورون من خلال إعادة توجيهه للمهمات الأخرى من بناء وصيانة العضلات والتحكم وإستقراره من خلال المناشط والهوايات المختلفة التي تفضي إلى إعتدال في حدة المزاج والعصبية والشهوة والشهية إذ إن زيادته يعزز الدافعية الجنسية!

واستقراره في المعدل الطبيعي يساعد الجسم في تنظيم الجلوكوز والأنسولين ويقلل نسبة الدهون في الجسم نظراً لتقليله التمثيل الغذائي للدهون كما يقاتل الإكتئاب ويقارعه؛ لذا إن إدراج هواية يمارسه الشاب أو الشابة هو أمر وقائي وإحتواء ثورة بشكل واقعي ومستحسن لدى شريحة عريضة من الشباب لاسيما الهوايات التي تعنى بنشاط بدني أو فكري عميق يتيح لهم إرسال هذه الطاقة وإيداعها في المكان الصحيح، إذ يقول الدكتور نشوان عبدالله نشوان في كتابه الموسوم بفن الرياضة والصحة: ”يجب أن يدرك الجميع بأن النشاط البدني والحركي أصبح ضرورة ملحة في وقتنا المعاصر إذ أصبح الإنسان يحيا حياة خاملة، فتراه يركب بدلاً من أن يمشي، ويجلس بدلاً من أن يقف، ويشاهد بدلاً أن يمارس، ويعيش فراغاً رهيباً لم يشهد العالم له مثيلاً، وربما كان ذلك بسبب التقدم التكنولوجي وانتشار الوسائل الميكانيكية والآلات الحديثة على نطاق واسع حيث شمل مختلف أوجه الحياة وميادين العمل والإنتاج، وهذا الوضع أدى إلى خفض الجهد البدني والحركي حتى أصبح هذا الجهد معلوماً في بعض المجتمعات. إذ تشير بعض الإحصائيات إلى أن نسبة الأعمال البدنية والحركية من مجموع ما يبذله الإنسان من الطاقة خلال المائة سنة الماضية قد انخفض من 90% إلى 8% فقط، وأصبح الفرد يقضي ما يعادل 15000 ساعة من حياته خاملاً وكسولاً وكنتيجة حتمية لذلك انتشرت العديد من الأمراض والتي تعرف بأمراض قلة الحركة «Hypo - kinetic Diseases» مثل أمراض القلب والشرايين والسمنة وآلام أسفل الظهر والسكري وارتفاع ضغط الدم والكولسترول وأمراض المفاصل والسرطان والتوتر وأمراض الرئتين؛ وعندما نفكر في طريقة العلاج الطبي لمثل هذه الأمراض فإنه في معظم الأحيان نعتقد أن العلاج يكمن في الوصفات الطبية المحتوية على حبات الدواء التي تؤخذ عن طريق الفم أو عن طريق الإبر والتي غالباً ما تعطى في العضلات. ولو أمعنا النظر في النشرات الطبية المرفقة مع علبة الدواء فإننا سوف نجد أن هذه الأدوية لها آثار جانبية كثيرة وربما تكون خطرة، ولحسن الحظ فإن النشاط البدني والحركي بمختلف أنواعه حتى العمل في المنزل يمكن ان يؤدي إلى تحسين الصحة وتطويرها، إذ يشير فرانكلين «Franklin، 1995» إلى أن ممارسة“ الأنشطة ”البدنية قليلة الشدة إلى“ الأنشطة ”البدنية متوسطة الشدة مثل المشي والعمل في حديقة المنزل يساعد في خفض الكولسترول غير الحميد «LDL» وخفض ضغط الدم وخفض وزن الجسم وزيادة صرف الطاقة وتحسين النوم والتخلص من الأرق إلى جانب تحسين عمل القلب“.

وأزعمُ أن ممارسة الهواية هي الحرية بالخروج من ذل الشهوات؛ لا الإنصياع للشهوات والعبث بها من خلال سحر التجربة؛ لكنما السحر والفتنة والجمال الحقيقي في تحليق الشباب في سماء الهواية والإستمرار والتشبث في مزاولة تلك الهواية بشكل جاد؛ وكما أشار ذلك إليه القاص ”شيشي بونروكو“ في روايته مدرسة الحرية: ”إذا انطلقت في البحث عن الحرية وانتهى بك الأمر للتخلي عما كان لديك من قبل، فسيكون ذلك عبارة عن تجربة عابثة“

ويدعم ذلك أن هذه الهواية يبذرها الوالدان ويسقيانها بالأخلاق منذ الطفولة إلى أن تصبح ثمرتهما ملَكَة كما يؤكد ذلك علماء علم نفس النمو؛ فيذكر الدكتور حمدي شاكر محمود ”أن الضابط الخلقي غير نمو الوازع الديني وإن كان متكاملين فالوازع الديني يرشد صاحبه إلى حدود اليقين ويبعده عن موضوع المحرمات كلية ولكن الضابط الخلقي هو الذي يقول بدقة هذه حدود المحرمات والمكروهات، والغاية من الأخلاق البحث عن القواعد والسبل التي ينبغي أن يسلكها الإنسان في حياته والقواعد التي يجب علينا إتباعها لتحقيق الغايات، وفي ضوء طبيعة النمو نجد أن اكتساب الطفل للسلوك الأخلاقي في مرحلة الطفولة المبكرة يبدأ بطيئاً حيث يربط الطفل ويضع فروق ومعايير بين السلوك المقبول الذي تشجعه الأسرة عليه والسلوك غير المقبول الذي تعاقبه عليه إذ يساير ليتجنب العقاب أو يحصل على منفعة وتدريجياً من خلال سلوكه وسلوك الآخرين وبالمحاولة والخطأ وبالتذكر والنسيان لما تعرض له من إثابة أوعقاب يعمم ذلك على مواقف الحياة اليومية إذ يساير ليسعد الآخرين ويؤثر النمو الإجتماعي والإنفعالي للطفل في هذه المرحلة على نموه الخلقي“.

لا سيما أن الهواية باتت إحدى كمائن الدهاء الشيطاني للإستغلال الجنسي من قبل «بعض» مَن اُنيطت بهم مهمة تدريب النشء من الجنسين؛ متجاهلون بذلك ما أودعو من مسؤولية وناشبين بمخالب الخديعة على البراءة والعفاف متناسين إطار الأخلاق الحميدة؛ فليس هناك بد من التريث قبل الإنخراط في إختيار الورشات التدريبية والنوادي، لأنه إن حدث إعتداء أو إستغلال ستكون عواقبة وخيمة على غرار الوقوع في تجربة الجنس وملازمة ”Flash Back“ له من استرجاع الذاكرة للحادثة المؤلمة مما يوقع الضحية في وحل لذة الجنس غير المشروع ”كالزنا، اللواط والسحاق“ ثم الإكتئاب ونبذ الهوايات والإنسحاب للداخل متمظهر بالإنطوائية وهذا خلاف ما ترمي له الهواية.