آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 2:38 ص

المجتمع بين وصاية رجل الدِّين والمُثقف

شاكر أحمد تريك

إِنَّ الصراع بين الحق والباطل لا يكون إلا إذا كان لكلٍ منهما مصاديق، ولا بد لكلٍ منهما أَنْ يجد مَنْ يحمله ويبشِّر به ويجعل مِنْ نفسه المصداق. فالإختلاف طبيعة إنسانية وضرورة لا بد أَنْ تُحتَرم ولا تُمَس، دون خوفٍ مِنْ أَنْ تَهُزَّ بعض الثوابت التَّي ورثناها مِنَ العقلية القديمة ونَحُدَّ ونُحَجِّم بذلك عقل إنسان العصر ونطالبه بالتَّبعية المُطلقة لما أنتجته العقول السالفة، فالعقل المُنْتِج المُبدع عقلٌ سافرٌ لا يخشى التغيير ولا يؤمن بالقوالب الجاهزة.

فعلى الرغم مِنْ نشوء وتطور النُظُم السياسية العلمانية والذي أدى إلى ضمور ثقافة الوصاية وعدم قدرتها على البقاء في عالمنا المعاصر الذي يُبَجِّل الحرية وحقوق الإنسان الأساسية وخصوصيته كفرد إلى حدٍ بعيد، ما زالت بعض المجتمعات وبالذات الإسلامية لا تريد الإعتراف لأحدٍ بِأَنَّه بلغ سن الرشد والنضج العقلي ويستطيع تبعًا لذلك أَنْ يعيش بدون وصاية مِنْ أحد. فكل مِنَّا هو قاصر عقليًا ومستباح مِنْ قِبَل رجل الدِّين أو المُثقف _كل حسب منظاره - في أصغر تفاصيل حياته الخاصة، فالمرأة «ناقصة العقل والدين» لاتزال تحت وصاية الرجل الذي بدوره مُقَيَّد بأغلال وصاية كهنة الدِّين الذين يحتكرون النظام الأخلاقي ويسوقونه للمجتمع كحكم مؤبد مِنَ الخضوع والهيمنة. وكذلك تحت سطوة المُثقف الذي يرى نفسه وصي على العقل والفكر والثقافة، وأَنَّ كل ما يقوله ويراه ويكتبه هو الحق المطلق الذي لا يأتيه الباطل مِنْ بين يديه ولا مِنْ خلفه.

المجتمع اليوم بات لا يريد إلا المُثقف الذي ينطلق مِنْ جوهر مفهوم الثقافة الذي يُفترض فيه التحرك لنشر رسالته الثقافية داخل المجتمع وعلى الصعيد الإنساني العالمي، وتوضيح آفاقها ومنطلقاتها وأهدافها، وترسيخ مفاهيمها الرسالية. وفي الوقت نفسه لا يريد رجل الدِّين المتطفل على الحياة، الذي يعمل على التكريس المتعسف لثقافة الوصاية وتغذية الشعور بالنقص والدونية لأفراد المجتمع وبِأَنَّهم عاجزين وغير قادرين على اتخاذ القرارات التَّي تمس جوهر حياتهم وأَنَّ الإيمان والأخلاق حكر له دون سواه. حيث نتجت تلك النظرة لرجال الدِّين كونهم يعارضون بشدة أيِّ تفسير تاريخي للدِّين، لإدراكهم أَنَّ ذلك سيساهم في إيجاد فهم جديد ذي نتيجة شديدة الخطورة والحساسية على مستقبلهم ستفقدهم سلطتهم السياسية وسَتُضَيِّع اعتبارهم الإجتماعي، بسبب فقدانهم الأرضية التَّي تمنحهم التشريع باسم السماء والتَّي يهدفون مِنْ خلالها إلى الهيمنة على الأرض. وهذه النتيجة مِنْ شأنها أَنْ تفقدهم أيَّ مبرر ديني يهيئ لهم الطريق للتدخل في كل صغيرة وكبيرة مِنْ حياة الإنسان.

لا يمكن لمجتمعاتنا أَنْ تتطور وتنمو بشكل صحيح وتتفتح الأزهار فيها دون أَنْ نقتلع جذور ثقافة الوصاية، ولن تجد قِيَم التعددية والمواطنة والتنوع والرأي الاخر والحق في الإختلاف مكانًا لها في مجتمع الوصاية. ولا يمكن لذلك أَنْ يتم دون أَنْ يكون رجل الدِّين رجل دين فحسب وليس قاضيًا وجلادًا وفقيهًا للسلطان، أو دون أَنْ يتحدث المُثقف بموضوعية وحياد مُفرِّقًا بين الدّين وبين اختلاقات رجال الدِّين، وأَنْ لا يقوم ببناء فرضياته الفكرية على الصيد في ماء رجال الدِّين العكر، وآَنْ لا يتخذ مِنَ الهجوم هواية مفتقدًا إلى أدنى قِيَم العدالة والإنصاف حين يتحدث عَنْ الدِّين.

وبالطبع فلا رجل الدِّين سوف يتنازل طواعية عَنْ الجاه والسلطان المطلق على الناس ولا المُثقف سيتنازل عَنْ تلك الفرضيات إلا إذا تحررت العقول مِنْ القبضة الفكرية، وحَلَّق الناس خارج الأقفاص الوهمية التَّي سُجِنُوا فيها منذ الصِّغر. وحتَّى يحين ذلك فلا عجب إذًا مِنَ الغباء المستفحل في العالم الإسلامي طالما أَنَّ الناس يعيشون بلا أجساد وبلا عقول؟! فكيف يُبدع مَنْ هو في ظل هذا القمع الوحشي للميول والرغبات والهوايات؟! فالمجتمع الإسلامي تَعَوَّد أَنْ تكون الأخلاق والسلوكيات فيه قائمة على القهر والغصب والإكراه وغير نابعة مِنْ قناعات الفرد وضميره الحي ومسؤوليته كإنسان واع مكتمل الرشد.

أصبح التسابق واضحًا على الوصاية بين كل مِنَ رجل الدِّين والمثقف حتى بات الصراع والهجوم على بعضهم هو السمة الأبرز في ذلك السباق فكل واحد منهم يبذل قصارى جهده في إثبات العصمة والخير والسعادة في ما يطرح وما يقول، ويستميت كل منهما في نقد الآخر، وتحقيره وتشويهه بكل ما أوتي من وسائل حتَّى إِنَّ بعض المُثقفين ما إِنْ تقرأ له إلا وتشعر برائحة الكره والحقد الدفين والعداوة الظاهرة والمبطنة لله وللدِّين كأَنَّه شر في ذاته ولم يأت بحسنة، لدرجة أَنَّ القارئ لهؤلاء يصعب عليه التفريق بين أسلوبهم وأسلوب بعض رجال الدِّين المتعصبون الذين اعتادوا بِأَنْ يصفوا خصومهم بالشياطين والعملاء وغيرها مِنَ التهم والشتائم والسب والقذف، فَبُتْنَا نرى المُثقف يستخدم عبارات مماثلة كطيور وخفافيش الظلام والإرهابيين، والدجالين وغيرها من الألفاظ. كل ذلك جعل البعض مِنَ المُثقفين وعند ظهور أي مشكلة سَبَّبَها أحد رجال الدِّين بالمسارعة إلى نسف الدِّين والحكم عليه بالخرافة هكذا وبجرة قلم، متناسيًا أّنَّ مِنَ الواجب عليه عند ظهور تلك المشكلة أَنْ يناقش بأسلوب علمي متحضر وذلك بدراسة أسبابها وأبعادها وتلمس مواضع الخلل فيها ووضع الحلول العقلية والمنطقية أو الحلول البديلة لتلك المشكلة بعيدًا عن الإسفاف والإبتذال والإستهزاء.

فكيف لنا أن نتخلص من تلك الوصاية في مجتمعاتنا ونحن:

- تفتقر إلى أدنى معايير ومقاييس الطرح أو النقد، ونفتقر أيضًا إلى الحيادية والموضوعية، فمن مِنَّا انتقد نفسه، أو تراجع عن خطأ ارتكبه أو أنصف أحدًا من نفسه أو اعترف بخطئه؟

- ورجال الدِّين يحتكرون الدِّين ويتكلمون باسمه. ورجال الفكر يحتكرون الفكر ويتكلمون باسمه، ورجال الثقافة يحتكرون الثقافة ويتكلمون باسمها، ورجال العقل يحتكرون العقل ويتكلمون باسمه؟

- والمفكرون والكتاب كل واحد منهم يعتبر نفسه أنه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين وأعدل العادلين وأصدق القائلين وحامي حمى الناس أجمعين، ومَنْ أصدق منهم قولًا، ومَنْ أعظم منهم فكرًا؟!

إِنَّ أول قضية تحدث القرآن بها، قبل الحديث عن التوحيد والشرك، كانت قضية الطغيان البشري حيث قال تعالى: «كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ»، «العلق، 6 - 7»، فالطغيان ضد الرحمة والعدل والحرية والمساواة، فما زال بعض مِنْ رجال الدِّين ورجال الثقافة يمارسون ذلك الطغيان والوصاية وما هم إلا بشر كبقية البشر، لكل واحد منهم نزعاته وأطماعه ونزواته، فلا الدِّين عصم بعض رجاله مِنَ الزلل والخطأ في حق الآخرين، ولا العلم والعقل والثقافة عصموا رجالهم مِنْ ذلك كله، فالكل له خطأه وضحاياه. هناك واقع اجتماعي مُر يستند إلى النظرة الاحتكارية دينيًا وثقافيًا، وإلى الممارسة التعبدية في إطار هيمنة مفهوم الحقيقة المطلقة، فلن تجد قِيَم التعددية والمواطنة والتنوع والرأي الآخر والحق في الإختلاف مكانًا لها في مجتمع الوصاية إلا إذا بدأنا التفكير خارج الصندوق الوصائي الذي وضعنا فيه الدِّين وحَرَمَنَا مِنَ التَّطلع إلى العالم الرحب خارجه.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 3
1
أبو محمد
[ القطيف ]: 11 / 10 / 2014م - 2:35 م
حينما نفرق بين المستوى النظري والمستوى الواقعي تتضح الكثير من الالتباسات ..!!
الحرية كمفهوم نظري كل من ينشده وينادي به لكن في المستوى الواقع شيء إخر قد يقترب أو يبتعد هذا أولا ..
حينما نظيف المفهوم وتحدد المقصود منه حين ذكره يسهل البيان ووضوح المراد .. الشجاعة والإقدام هل هذان مصطلحان اثنان ام واحد ..!! الحمد والشكر الوصاية والتخصص ..!!؟
نجد في المقال تسأل يقول فيه :

- ورجال الدِّين يحتكرون الدِّين ويتكلمون باسمه. ورجال الفكر يحتكرون الفكر ويتكلمون باسمه، ورجال الثقافة يحتكرون الثقافة ويتكلمون باسمها، ورجال العقل يحتكرون العقل ويتكلمون باسمه؟

ما المقصود بالاحتكارات هذه ..!!
هل اذا رجعنا في مسألة إلى أهل الفكر فنحن مجبرون ولهم علينا وصاية ام البدانة تقول هم أهل التخصص ..!!؟
المرجع هل يحتكر المذهب هل الناس مجبرون بفلان مرجع وهل وهذه هي حال الواقع اذا قال المرجع تكون نسبة الامتثال كبيرة ام صغيرة ..!!

هل مجتمع القطيف اليوم يعتبر في أدبيات عقد السبت بنات والسبعينات وحتى الثمانينات مجتمع محافظ ..!!؟
خذ عينة عمرية من جميع مناطق القطيف عينة عمرية تمثل الجيل الصاعد ( 13-18)
هل تجد في هذه العينة نسبة كبيرة منها تؤدي الصلاة فضلا عن معرفتها ..!!؟

من يعيش في أوساط الناس يرى العجب العجاب .. فلا نحتاج ذكر الجنح السلوكية وتعاطي الممنوعات وعمليات السطو وغيرها ..!!
أين توقير الكبير والعالم وأين العطف على الصغير ..!!
فلو نقوم بدراسات ميدانية فماذا نكون ..!!

ليس مقصود مجرد الانتقاد وانما المقصود الابتعاد قدر الإمكان في الكتابات الاجتماعية عن الإنشائية والاعتماد على النوعية والكمية في آن واحد ..!!
2
شاكر أحمد تريك
[ القطيف ]: 11 / 10 / 2014م - 3:51 م
ملاحظة.. الأخ أبا محمد، عند التحدث عن رجال الدين فالمقصود بهم بعض رجال الدين ومن جميع المذاهب وليس الأمر حكرًا على مذهب أهل البيت أو على المجتمع القطيفي بالتحديد.

أما بخصوص استفسارك عن المقصود بالإحتكارات الموجودة عند رجل الدين فتتمثل في وصايتة على الدين واحتكاره له وهذه بعض النقاط التي يمكن أن تبين ذلك الإحتكار:

- احتكار البعض في فهم الدين وتدبره، ونظرة البعض منهم لنفسه بالأفضلية أو الأحقية والفوقية على الناس. 

- محاولتهم إخضاع أكبر عدد ممكن من الناس لسلطته المختلقة وإخضاع كل ساكن ومتحرك وكل قائم وقاعد وكل فعل وكل قول للتديين، بمعنى اعتقاد حرمة جميع علوم البشرية وتصرفاتها وأقوالها بأحكام دينية مصطنعة تحرم وتمنع وتحظر كل شيء إلا عبر المرور على مصافي التديين. 

- اعتبار كل جديد وحديث وكل علم وتطور واكتشاف هو ضد الله وضد الدين وضد الأوامر الإلهية بإقناع الناس بأن الأصل في كل شيء يحدث في السماوات والأرض حرام ما لم يأت النص بحليته وإباحته.

- انتحال رجل الدين صفة الرقيب والمحاسب للناس في تنفيذ أو عدم تنفيذ الأوامر الإلهية التي جاء بها الدين ومنع الناس من فهم القرآن والتفاسير إلا بشروط تعجيزية تحرم على الناس أي محاولة للاقتراب من الفهم والتدبر. 

- إدخال رجل الدين في روع الناس أن لدية علم وفهم عن الله لن يصل إليه أحد غيره، وإيهامهم أن الظروف والأوضاع الإجتماعية والإقتصادية والثقافية السائدة وقت نزول الرسالات هي من الدين ومن صميم الأوامر الإلهية كطريقة اللبس والمأكل والمشرب والتحدث وغيرها من العادات والتقاليد السائدة في ذلك الوقت. 

وهذا ليس تعميم على الجميع فهناك من هم أرقى وأجَّل من أن في مثل هكذا مواضع.
3
أبو محمد
[ القطيف ]: 11 / 10 / 2014م - 9:10 م
أنا على يقين بأن المعلن من جهة أخبار جهينة الموقرة بأنها تعنى بشؤون منطقة القطيف ..!!

ولا يمنع من التمثيل بتجارب الآخرين لكن هذا القول سواء في المقال أو في الرد يوهم القاريء بأن المقصود هو المجتمع القطيفي ..!!

وليس المقصود بما تراه من احتكارات بما سميتهم رجال الدين وانما المقصود في الرد هو الابتعاد عن الإنشائية في العرض والارتكاز على حقائق زمانية ومكانية محددة ومعروفة حتى يكون نوع تفاعل إيجابي مع العرض ..!!

البحث الاجتماعي له أسسه المعروفة ..!!
ولا حاجة للتذكير بما للمعلومة الواضحة من أثر في التعاطي مع الواقع ومتغيراتها ..!!