آخر تحديث: 13 / 8 / 2020م - 1:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

الحج.. موسم السلام العالمي

ميرزا الخويلدي * صحيفة الشرق الأوسط

نحن أمام مشهدٍ مهيب! فملايين الحجاج المسلمين من أعراق، وجنسيات، ومذاهب، وقوميات، وألوان، وألسنة شتى، يسطرون ملحمة إنسانية لا مثيل لها، ملحمة تذوب فيها كل الفروقات العنصرية، والطبقية، والقومية، والطائفية. ملايين الناس القادمين من كل فج عميق، تركوا خلفهم كل انتماءاتهم ومصالحهم وتجردوا من كل ما يميزهم، ليتساووا أمام خالقهم، ويتخلوا - ولو مؤقتا - عن كل عصبياتهم ونزاعاتهم وخصوماتهم، ويتسالموا فيما بينهم على دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم، بل فيما بينهم وبين الطبيعة، والبيئة، والطير، والحيوان، حتى الشجر له حرمته، وحتى الطير لا يصح ترويعه، وحتى هوام الأرض تنعم بالسلام.

هؤلاء الملايين كانوا بالأمس في صعيد عرفات يكسون سفح الوادي العظيم باللون الأبيض، تلتحم أجسادهم فلا تكاد تبين أي فروق بين غنيهم وفقيرهم، وبين المترفين منهم والكادحين، وبين أصحاب النفوذ وأولئك المهمشين، وبين أهل الموالاة وأهل المعارضة، كلهم توحدت قلوبهم وأفئدتهم نحو هدف واحد، وغاية واحدة.

وهم البارحة على أرض مزدلفة، التي تحولت من أرض قاحلة إلى «المشعر الحرام» في هذا اليوم لا غير، يفترشون الأرض ويتوسدون التراب، في صورة لا نظير لها، حتى إذا انبلج صباح هذا اليوم رأيت مئات الآلاف يفيضون نحو مشعر منى، وهم في غالبهم شعثا غبرا، كأنهم في يوم حشر ونشور، يزحفون نحو الجمرة الكبرى لتتساقط مع كل رجمة كل الأنانيات والكراهيات والأحقاد.

من يمكنه في مشعر منى أن يعرف انتماءات هؤلاء الناس، وأفكارهم، وأهواءهم، من عساه يعرف من فيهم ذو مهابة ومكانة في بلده وقومه، ومن منهم يمكنه أن يميز العباقرة من الدهماء، والنخبة من البسطاء، وأهل الإبداع من الناس العاديين.

هذا هو الحج، موسم السلام العالمي، الذي يأمن فيه الإنسان على كل ما يخشى عليه، يأمن على فكره كما يأمن على ماله، ويأمن على عقيدته كما يأمن على عرضه ونفسه، ويمنح الأمان لأخيه المسلم القادم من أصقاع الأرض، فهناك أيضا «لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج».

هذا هو الموسم الذي يعذر فيه المسلم أخاه، ويتجاوز عن أخطائه، ويتسامح عن هفواته، في الوقت الذي تكثر فيه تلك الأخطاء وتبرز بعض السلبيات الناجمة، خصوصا من أن ملايين الحجاج ينحدرون من أمم وشعوب وثقافات ومستويات اجتماعية واقتصادية متعددة، ومن الطبيعي أن تبرز سلوكيات ينفر منها البعض، لكن السمة العامة في موسم الحج هي التسامح والعفو والتجاوز والغفران.

هل أضيف على ذلك، أن القلوب العامرة بالإيمان التي تلهج بالذكر والدعاء خلال الأيام الماضية، وخلال الأيام المقبلة من أيام «التشريق»، هذه القلوب تحمل قلقا حقيقيا على ما وصلت إليه «الأمة الواحدة»، نستطيع أن نلحظ هذا القلق الجماعي الذي يلف الجميع، ويوحد الجميع، هذا القلق يمكنه أن يستوعب من الحج درسا لكي يهدأ ويتروض، درسا في التصالح مع الذات والقبول بالآخر، والتسالم مع الناس، ونبذ العصبيات والبحث عن القواسم المشتركة؛ إذ كيف يمكن للمسلمين أن يكونوا إخوة في أيام معدودات، وأعداء يضرب بعضهم أعناق بعض في سائر الأيام؟