آخر تحديث: 25 / 11 / 2020م - 3:58 م

«نريد اختلافا!»

أيمن القطري

لا يزال الخطاب الديني متحرّجا بعض الشيء من طرح موارد الاختلاف في بعض شؤون الفكر والعقيدة والتي قد تكون هي ذاتها لاتزال في معرض النقاش، والأخذ والرد، والقبول والإنكار. وكأنّ نقل ذلك يعد مثلبة في المنظومة الدينية يجب سترها، وباب لا ينبغي فتحه إلا لخواص أهله! فكثيرا ما يعزف الكتّاب أو الخطباء أو المؤلفون عن تسليط بقعة الضوء على الأفكار التي فيها تباين واختلاف بين العلماء والفقهاء أنفسهم خصوصا تلك العقدية منها. فلا يذكرونها للعوام أو المتلقين! وإنْ فعلوا، نجد كثيرا منهم ينتهون بنتيجة واحدة، ورأي منفرد قد يهمّش ويُضعف كل ما سواه من الآراء التي هي في محل التبنّي المقبول وإن لم تستحسنه الكثرة العلمائية. فلا يدعون هنا فسحة للمتلقي يحكّم فيها عقله وقناعاته، ثمّ يختار «هو» من الآراء ما يوافق مبانيه الفكرية والثقافية.

لم تكن آثار هذين النهجين في الخطاب الديني «العزوف، والرأي الواحد» ملموسة قبل عصر الطفرة في البحث والتواصل المعلوماتي التقني الذي نشهده اليوم. ولكنّها بدت اليوم وخيمة نوعا ما! فبضغطة زر، يستطيع أحدنا أن يصل ويشخل الكثير من آراء رجالات الدين وأفكارهم. وهذا ما جعل العزوف عن ذكر المختلَف فيه، أو الانحياز لطرف دون آخر يولّد صفعات فكرية شديدة وبالغة الأثر في التركيبة الفكرية لدى مواجهة آراء أخرى، وبالتالي تشنّجات من صراع قبول الآخر والتناغم مع ما يحمله.

إنّ حالة العزوف وصرف النظر عن النطق بالاختلافات لفترة طويلة من الزمن ربما تكون هي المساهم الأول في خلق القناعات المعصومة لدى الكثير من المتلقّين في كون القضايا الدينية مُحكمة ثابتة، و”مسلّمة لا شية فيها“! وأنّ أغلب جوانب الفكر الديني والعقيدة هي ذات لون وصبغة واحدة، بلا تنازع ولا اختلاف، ولا مساحة فيها للأخذ والرد. فحينما لا يتداول الكتّاب والمنبريون بموضوعية الاختلافات في بعض جنبات الدين العقدية والفكرية، تُبنى بالحتم لدى الكثيرين جدران اللون الأبيض بلا سواد، وحينها لا تكون هناك أُلفة لغير الأبيض والأبيض فقط!

على صعيد آخر، بعض الخطابات الدينية عبرت بحمد الله سبحانه مضيق العزوف بنجاح وارتأت التصدّر لتبيان الاختلافات، ولكنّها وقعت في شَرَك الرأي الواحد الذي لا شريك له. فنتج عن ذلك هيكلة الكثير من «المسلّمات العمياء» لدى البعض، والتي هي في الحقيقة لا تزال في الوسط الديني والعلمي الحوزوي معرض للاختلاف والنقاش. فهذا المنبر أو ذاك الكتاب قد عرض مشكورا مجموعة الآراء، ولكنّه همّشها جميعا ولم يبقِ للمتلقي غير ما يرتئيه الناقل ليسلّم به القابل مضطرا، ويرمي بغيره عرض الحائط وإن كان مراهقا للصواب.

ما لم تتغيّر لغة الخطاب المتحرّجة وكذا المنحازة، فسيبقى مجتمعنا إما مصفوعا ببعض الآراء العقدية والفكرية، والتي يظنّها تضليلية ودخيلة جديدة على الدين، أو ولاّدا لمسلّماتٍ غير صحيحة يرفض ذووها بشراسة كلّ ما يقابلها من طرح. ولا طريق لذلك غير الشفافية في عرض الاختلافات بكل أبعادها والقول فيها بكل مصداقية، ومن ثم ترك حريّة التبني للمتلقي نفسه دون إجباره وتلقيمه لرأيٍ واحدٍ «هم فيه مختلفون». لو فعلنا، حينها سنتنفّس جوّا حميما من الألوان المعرفية، ولنا في شهر سيد الشهداء أفضل وسيلة لتصنع ذلك التلاقح والتناغم.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أبو محمد
[ القطيف ]: 21 / 10 / 2014م - 9:55 م
الشفافية من جانبين من المتخصص والمتلقي .. !!

أين هي الدراسة الجادة والحديثة عن مستوى الثقافي بالمجتمع القطيفي ..!!؟
الشفافية رغبة الجميع لكن من يضمن الجميع ..!!

المعضلة في عدم توفر الدراسات الإحصائية الحديثة عن جميع مفردات المجتمع الحالي ومنها المستوى الثقافي ..!!

تأهيل أرضية صلبة ومقننة قدر الإمكان تعرف الصادر والوارد منها يسهل طرح هذه المواضيع بشفافية سلسة ومثمرة ..!!