آخر تحديث: 25 / 11 / 2020م - 3:58 م

أهمية الفن الإنساني في عاشوراء

الشيخ حسين المصطفى

في ظل الصراع الفكري الذي يشهده العالم الآن، فإنّ الفن يمثل أخطر سلاح اختراقي في وعي المتلقي. فحضارة الصورة بشكل عام، هي لغة ذات نظام اتصال ولكنها ذات قدرة تعبيرية كبيرة؛ لأنها تستعين وتستفيد من كل الفنون السابقة التي ابتدعتها البشرية، ما يجعلها ذات قدرات تعبيرية تفوق إمكانية اللغة.

فاللغة لم تعد وسيلة الوعي والتطور الأساسي للتراكم المعرفي؛ لأنّ حضارة الصورة استطاعت السيطرة على الزمن، وهي أهم إنجاز عرفته البشرية مع تطور العلوم.

وللأسف أنّ الفن الإسلامي لم يتبوأ مكانه في خريطة الفن المعاصر؛ وذلك بسبب إشكالية حالة الاشتباك الفقهي في العلاقة بين الدين والفن، حول الحلال والحرام في قضايا الفن.

مع وقوفنا على حقيقة ساطعة وهي: أنّ ما يستطيع الفن تحقيقه «كالفيلم أو المسلسل التليفزيوني» يفوق الأثر الذي تستطيع تحقيقه العديد من الكتب والندوات والخطب.

وما زالت تلك الفنون المتنوعة التي ابتدعها المسلم طيلة قرون عديدة شاهدةً على دين طالما وجه الحس البشري للجمال في كل شيء، وسعى لتحريك الحواس المتبلدة لتنفعل بالحياة في أعماقها، وتتجاوب تجاوباً حيّاً مع الأشياء، والأحياء.

إنّ كل متأمل في الفن الإسلامي يعرف أنه أرسى معايير ذات صبغة مميزة، كان لها آثارها الواضحة على العالم الغربي، خاصة فيما بين القرن العاشر الميلادي والقرن الرابع عشر، مما يوضح أنّ الفن الإسلامي يتوسل بالمادة ليعبر عن الإحساس الديني بالحياة، وعن وجدان أخلاقي إسلامي.

وهذا ما يجسده أهمية عاشوراء وتجسيده فنياً؛ لأنّ النهضة الحسينية محطةٌ أساسية في الوعي الإسلامي الشيعي، ومولّدة للدلالات والرموز، وأظن أنّ قدرات الفن عامة، والسينما خاصة، تستطيع أن تعيد إبراز هذه الحادثة وتسليط الضوء عليها بكل أبعادها الإنسانية والفكرية، بما تملكه من قدرات تقنية تعبيرية هائلة.

لقد وهب الله تبارك وتعالى الإنسان نِعَم الحواس الخمس: «السمع، والبصر، والذوق، والشم، واللمس»، وامتّن عليه بها، وهي وسائل لإدراك الأشياء، وتمييز ما ينفعه منها وما يضره، وعلّق بها الكثير من الشرائع والأحكام.

ونعمتا السمع والبصر أعظم تلك النعم وأشرفها، ولذلك ميزتا مع العقل على سائر النعم بالامتنان على بني الإنسان، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل: 78].

من الطبيعي أنّ أي ذكرى كعاشوراء، لها علاقة بالوجدان الشعبي والديني وبالذهنية الثقافية وبالحركة السياسية، لا بد لها من أن تتطور في طريقة التعبير تبعاً لتطوّر وسائل التعبير على مدى الزمن، لأن أية فكرة لا بد لها من أن تدخل في الوجدان الإنساني بالوسائل التي يمكن أن ينفتح عليها هذا الوجدان، لأن الإنسان يتربّى بحسب الوسائل المتطورة في إنتاج قناعاته، من خلال الفكر الذي يدخل عقله.

في ضوء هذا، فإننا في الوقت الذي نؤكد بقاء مجالس العزاء في عاشوراء، لأنها تجسد حالاً تعبوية شعبية تحقق نتائج كبيرة إيجابية على مستوى إنتاج جمهور عاشوراء في كل زمان ومكان، وندعو إلى تطوير مجالس العزاء من حيث الأسلوب والأداء وما إلى ذلك، نعتقد أن المسرح العاشورائي الذي بدأ في أكثر من موقع، إنما بدأ بطريقة بدائية قد تعطي شكل الحادثة، لكنها لا تملك عمقها وآفاقها وحيويتها وحركيتها ومفاهيمها، ما يجعل الإنسان الذي يشاهد هذا المسرح البدائي يتابع الأحداث بطريقة جامدة، وإذا تفاعلت، فإنها تتفاعل بألوان المأساة فحسب.

لذلك، نحن نريد لعاشوراء أن تدخل العصر، وأن تنفتح على الإنسان المعاصر من موقع تجسيدها القيم التي انطلقت منها، وتعميقها للمأساة التي تحركت فيها، وإطلالتها على الأجواء التي تنتجها. ومن الطبيعي أننا نحتاج للوصول إلى هذه النتائج التي تمنح عاشوراء بعداً عالمياً إنسانياً، إلى جانب بعدها الشيعي أو الإسلامي، إلى قدرات فنية إبداعية في المسرح، من حيث كتابة المسرحية، ومن حيث إخراجها، ومن حيث الأشخاص.