آخر تحديث: 25 / 11 / 2020م - 3:58 م

رسالة لك أخي السُني

محمد الصلاح *

كثيرا ما يتطلع المرء الى العديد من الأمنيات التي يتطلع الى تحققها في حياته الاجتماعية ومن جملة تلك التطلعات «التعايش المشترك بين جميع أطياف المجتمع الواحد» على اختلاف انتماءاتها العقدية ومشاربها الفكرية، وهذا التطلع غاية سماوية وربانية أكد عليها الدين القويم عندما قال تعالى في سورة الحجرات: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.» يقول صاحب كتاب روح المعاني: وجعلناكم شعوباً وقبائل، الشعوب جمع شعب بفتح الشين وسكون العين وهم الجمع العظيم المنتسبون إلى اصل واحد وهو يجمع القبائل والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة.... تجمع البطون والبطن تجمع الأفخاذ والفخذ تجمع الفصائل...

فإذا كان الدين يدعو للتعارف بين الشعوب والقبائل على اتساعها واختلافها في البلاد، فكيف بمن يعيشون في رقعة جغرافية واحدة وتجمعهم قيادة سياسية واحدة؟؟ ألسنا معنيين بهذا الخطاب الرباني؟ أو ليس هذا القرآن الذي تكفل رب العزة بحفظه حيث قال سبحانه: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون «الحجر: 9» هو دستورنا ومنهج حياتنا؟ وقد أمرنا بالرجوع إليه عندما تداهمنا الفتن الصماء فلقد جاء عن النبي الأكرم ﷺ أنه قال: «إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع وما حل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس الهزل» فأملي أن نتجاوز حجب القطيعة ونلقي بها وراء ظهورنا بهدف القضاء على تلك الفتن التي يراد منها تمزيق المجتمعات الإسلامية لتكون لقمة سائغة إلى ألأعداء الذين يتربصون بنا الدوائر

والطريق الأمثل لتحقيق هذا الهدف الأسمى والغاية العظمى لن يتحقق إلا من خلال معرفة كلُ بنا بالآخر معرفة حقيقية، ولن تأتي هذه المعرفة إلا من خلال الانفتاح المبدئي على الآخر

فأنت لن تتمكن من معرفتي حقيقة من خلال ما تسمعه عني بل من خلال ما تراه مني فكم يوسفي حقا أن أقول أن أخي السني حفظه الله ورعاه قرأني من خلال ما كُتب عني بأقلام الحقد والكراهية ومن خلال ما سمعه عني من أبواق الفتنة النتنة التي لم تفتأ تصب الزيت على النار وتنفخ في الرماد حتى تُشعل نار العداوة والبغضاء ووتثير الأحقاد في نفوس أبناء الوطن الواحد

ولذلك نقرأ مما جاء عن الإمام علي بن أبي طالب أنه قال: أيها الناس، من عرف من أخيه وثيقة دين وسداد طريق فلا يسمعن فيه أقاويل الناس، أما انه قد يرمي الرامي، ويخطئ السهام، ويحيل الكلام، وباطل ذلك يبور، واللّه سميع وشهيد. أما انه ليس بين الحق والباطل إلا أربع أصابع.

فسئل عن معنى قوله هذا، فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه - ثم قال: الباطل أن تقول: سمعت، والحق أن تقول: رأيت

وروي عن الإمام محمد بن علي الباقر أنه قال: سئل أمير المؤمنين : كم بين الحق والباطل؟ فقال: أربع أصابع - ووضع أمير المؤمنين يده على أذنه وعينيه - فقال: ما رأته عيناك فهو الحق، وما سمعته أذناك فأكثره باطل

وجاء في نهج البلاغة  في الخطبة رقم 50

«فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق لم يخفَ على المرتادين، ولو أن الحق خلص من الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان»

فلو أن الباطل قيل صراحة للناس لأدركوا بطلانه ولم يضلوا فيتبعوه، ولو أن الحق قيل صراحة لعرفوه، لكنهم مزجوا الحق بالباطل وهذا من أخطر الوسائل وأخبث الأسلحة التي تؤجج نار الفتن في المجتمعات الإنسانية، لهذا جاء النهي الإلهي عن ذلك حيث قال سبحانه وتعالى «ولا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ»

وقال سبحانه وتعالى: ﴿وإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ اُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ

فدعوتي لك أخي السني من أعماق قلبي أن تتعرف عليٌ حقيقة من خلال معاشرتك ومخالطتك إياي ومن خلال ما رأيته مني لا من خلال ما سمعت أو ما قرأته عني، واني أتمنى أيضا أن تُعرفني للآخر من خلال مشاهدتك ومعاينتك لي وهذه أمانة في عنقك إلى يوم القيامة وأنت مسؤؤل عنها أمام الله سبحانه وتعالى.