آخر تحديث: 26 / 10 / 2020م - 10:55 ص

«الحالة العوامية»

في مشكلة الأمن الاجتماعي

أحمد حسن آل ربح

قال تعالى «والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون» الشورى 29.

مرت على منطقتنا بشكل عام ظروف ظلامية قاسية تمثلت في تفشي الجريمة بجميع أشكالها، أقول تفشي الجريمة وتحولها لظاهرة وليس مجرد حدوثها أو ظهورها، فالجريمة لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات الانسانية، فالإنسان ابن نزواته وشهواته وغرائزه الطبيعية التي يتفاوت فيها بتفاوت البيئة والمحيط والثقافة تماماً كما هو ابن قيمه ومبادئه التي يؤمن بها ويتبناها ويتسالم عليها.

ولكنها  أي الجريمة  في مجتمعنا أصبحت تشكل ظاهرة خطيرة ونذير سوء لمستقبل أسود يخيم على أجيالنا المقبلة إذا لم نتدارك المشكل الآن ونتكاتف جميعاً ونعمل على حله بأسلوب علمي مدروس.

الدافع الذي دفعني لكتابة هذه الكلمات هو ما حصل مؤخراً في بلدتي العزيزة العوامية من اختطاف شاب يافع في عمر الورد من قبل خمسة ملثمين مسلحين وإنزاله في وضح النهار من السيارة التي كانت تقله متوجهاً لمدرسته لإجراء الامتحان كباقي زملائه الطلاب ولكنهم اختطفوه عنوة واعتدوا عليه جنسياً بالتناوب!، جريمة يندى لها جبين الانسانية وتتنكب عنها الوحوش الكواسر ولا يقدم على مثلها إلا عتاة الشياطين.

في نفس اليوم وفي حدود الساعة العاشرة والنصف صباحاً تم اقتحام أحد بيوت البلدة، حيث لم يكن في البيت سوى بنت صغيرة ذات عشر سنوات، دخل المجرمون الملثمون المسلحون المنزل ووضعوا كماماً لاصقا على فمها وضربوها على رأسها وهددوها وأخبروها عن نيتهم اختطافها والمطالبة بفدية مقدارها مليون ريال!، غير أن إرادة الله شاءت أن يرن الهاتف ليفزع المجرمون ويلوذوا بالفرار خوفاً من انكشافهم!.

هذا في العوامية، أما في سائر مناطق القطيف فحدث ولا حرج، فقد تم سرقة مركز بيت الحكمة في القديح وهو مركز ثقافي ديني، كما تم إحراق أو سرقة أو تخريب مجموعة من الحسينيات والمساجد والمقابر!. فقد سرقت حسينية العباس في الجش ومسجد العباس في سيهات وكذلك سرقت مقبرة سيهات، هذا بعض ما تم تداوله على صفحات التواصل الحديثة في نفس الاسبوع، والله العالم بما عداه!.

وبالعودة للحديث عن العوامية حيث مربط الفرس، تم في الليلة التالية لليلة اليوم الذي حدثت فيه الجريمتان اجتماع موسع عقدته عائلة الشاب المغدور مواساة لوالده وأسرته، دعي فيه جمع من الأهالي الكرام فشكلت عائلة آل ربح وفداً بواسطة مجموعة التواصل الوتسابية التي تجمع عدداً كبيراً من أفراد العائلة الكريمة وأعدت كلمة باسمه كان لي شرف إلقائها نيابة عنه.

ألقي في الاجتماع بعض الكلمات المقتضبة وقصيدة شعرية لخطيب مصقع وشاعر ملهم مثقل بهم بلده وهو الملا عيسى البدن أبو عبد الله حفظه الله وأيده وسدده. تناول في قصيدته بعض ما تعانيه البلد وبعض المظاهر التي لا طائل منها إلا صب الزيت على النار!.

القصيدة لم ترق للبعض كما أنها لاقت استحسان الكثير من الحضور لأنها لامست واقعهم وعاشت آلامهم وآمالهم ووصفت أحاسيسهم وقالت ما أرادوا قوله!.

أعلن منسق الاجتماع أن الهدف منه كان التوقيع على بيان استنكار للجريمة وتضامن مع العائلة والطلب من الجهات المسؤولة القيام بواجبها تجاه ما نعانيه من هؤلاء المجرمين وإلقاء القبض عليهم والتحقيق معهم تمهيداً لمحاكمتهم.

الغريب أن البعض لم يرق له ما جاء في البيان أيضاً فرفض التوقيع وآخر وقع حياء ومحاباة ثم نكص وأعلن للناس براءته من توقيعه!. وفسروا ما جاء في البيان أنه استقواء بالدولة على الناس الضعفاء لأن الجهات الأمنية إذا جاءت لن تفرق بين مجرم وبريء!.

هذا التفسير يفسر مدى الشرخ النفسي بين شريحة من الناس وبين الجهات الحكومية الرسمية وعدم الثقة بها لأنها لن تفعل ما هو في صالح الناس وإنما تفعل فقط ما هو في صالحها هي.

أعتقد أن مثل هذا التفكير والتفسير له ما يبرره فسلوك الجهات الأمنية في العوامية لا يعزز الثقة بل بالعكس تماماً!!، فالكثير من التصرفات تصب في مصب التأزيم بدءً من نقاط التفتيش المزعجة على مداخل البلدة الرئيسة إلى تقطيع أوصال البلدة بواسطة زرع مركز الشرطة في وسطها ومترسته بعدد من المصفحات مما قطع أوصال البلدة في أهم نقطة رئيسة تصل غربها وجنوبها بشمالها وشرقها!، كما لا تنتهي بحفلات الرصاص التي لا تلبث أن تهدأ حتى تعود أعظم مما كانت.

نعم، ليس شيء مما ذكر يعزز الثقة بين عامة الجمهور وبين الدولة ممثلة في الجهات الأمنية.

ومما زاد الطين بلة الهجوم الأخير على البلدة والذي راح ضحيته مجموعة من الضحايا قتلى وجرحى، وعطب وإتلاف وحرق لبعض الممتلكات وإطلاق الرصاص ذي الحجم الكبير على البيوت المطلة على الشوارع والطرق التي مرت بها المصفحات واستعمال أنواع جديدة حارقة من الرصاص على الأهداف البشرية مما أدى إلى احتراق وتشويه الضحايا في صور لن تمحى من أذهان الناس أبداً!. فضلاً عن استمرار اطلاق الرصاص بشكل عشوائي مرعب لمدة ثمان ساعات من ذلك اليوم.

ولكن في الجهة المقابلة هناك انفلات أمني وحالة من شياع الفوضى والاستهتار بأرواح الناس وأعراضهم وأموالهم من قبل مجموعة من المجرمين الجنائيين النشطين في حالة من غياب الجهات الأمنية ونكوصها عن القيام بواجبها تجاه مواطنيها وهو حفظ الأمن العام.

مثل هذه الفئة من الطبيعي أن تنشط في أي مكان تجد فيه البيئة المناسبة، لكن البيئة المناسبة لهذا المشكل هو ضعف الدولة. والواقع هو أن الدولة ليست ضعيفة، فلا مبرر حقيقياً لظهور مثل هذه العصابات والشلل الاجرامية وهذا هو ما حدا بصائغي البيان أن يفعلوه، فماذا في ذلك؟؟!. إلا التأكيد على وجوب قيام الدولة بواجبها تجاه مواطنيها وحثها على إلقاء القبض على المجرمين المرتكبين للجريمة النكراء وعرضهم على لجان التحقيق تمهيداً لمحاكمتهم كما قدمناً.

للأسف الشديد، البعض لا يعجبه شيء على الاطلاق، ويرفض كل ما يطرح لحل المشكل القائم، بل ويرفض الطارحين أيضاً وفي نفس الوقت غير مستعد لطرح البديل المرفوض.. لأنه وبكل بساطة لا يملك بديلاً!.

لاحظت ومن خلال بعض التعليقات أو التغريدات أو المقالات القصيرة أن البعض من ذوي التوجهات غير الدينية لديهم تحسس شديد من المعممين ومن أي شيء يطرحه معمم!.

والحل؟.. أيضاً لا يوجد حل!.

إن أعز ما لدى الناس هو أمنهم فإذا فقدوا أمنهم لم يعد لحياتهم طعم أو معنى.

ولذلك أقول من لديه مشروع فليطرحه بكل شفافية ومن لديه حل فليعرضه متجنبين سوء الظن ببعضنا أو التخوين أو كيل التهم الباطلة التي نعرف مسبقاً أن لا أساس لها من الصحة. فكلنا أبناء هذه البلدة الطيبة والأمر يعنينا جميعاً والنار لو شبت ستحرق الجميع والمركب لو غرق فسيغرق الجميع أيضاً.

ونحن على ما آل إليه وضع بلدتنا العزيزة لا زال بمقدورنا تدارك الأمر.

الأمور متشعبة، صحيح، ومتداخلة أيضاً وأحوال البلد تتجاذبها أطراف عدة وأطياف مختلفة، ولكن البلد بلد الجميع والجميع يهمه أمنها بالدرجة الأولى. فكل ما هو غير الأمن الاجتماعي في كفة والأمن الاجتماعي في كفة أخرى.

نعم، الدولة مطالبة بالقيام بدورها في جميع المجالات أسوة بباقي مناطق المملكة، وهذا أمر طبيعي. ونحن لا نطالب الدولة بانتظار الجريمة حتى تقع ثم نقول اقبضوا على المجرم وحاكموه!.. بل نتوقع من الدولة أن تعمل على وأد البيئة التي يتخلق من خلالها الاجرام والمجرمون.

انطلاقاً من عمل كل ما من شأنه تعزيز الثقة بينها وبين مواطنيها وردم الهوة النفسية التي عملت على اصطناعها ظروف وأحداث مضت وتراكمت على مر السنين والأعوام، فالناس في هذه البلدة الطيبة  العوامية  طيبون مسالمون على سجيتهم يهمهم أن يأمنوا على أنفسهم وعقائدهم وأعراضهم وأموالهم، حالهم حال أي طيف من أطياف المجتمعات الانسانية السوية.

وفي الأخير ربما يتساءل متسائل عن علاقة الآية الشريفة في صدر المقال بما تلاها؟؟ … والجواب هو في أن إنتصار الناس من البغي في تكاتفهم وتعاونهم وسعيهم الحقيقي والصادق في دفعه من أي طرف كان، والبحث الحثيث عن كافة السبل المتاحة وفي مقدمتها إصلاح ذات بينهم واستثمار طاقاتهم جميعها وفي مقدمتها الفكرية والمعرفية تأسيساً لدفع كافة الأخطار عنهم وهو ما يفعله العقلاء دائماً وأبداً.