آخر تحديث: 16 / 10 / 2018م - 9:57 م  بتوقيت مكة المكرمة

المنهج العلمي لمدرسة الشيخ الأوحد «2 - 2»

سامي بو خمسين

الفصل الأول: دليل الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي احسن

وتحدث رائد المدرسة الإبداعية في كتاب شرح الفوائد، عن معرفة البراهين ونوعها في العلوم الإلهية، فقال: "اعلم أن الأدلة ثلاثة، كما قال سبحانه لنبيه ﷺ: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ[1] .

فالأول: دليل الحكمة، وهو آلةٌ للمعارف الحقيقية، وبه يُعرف اللّه، ويُعرف ما سواه، ومستنده: الفؤاد، والنقل.

أما النقل، فهو الكتاب والسنة، وأما الفؤاد، فهو أعلى مشاعر الإنسان، وهو نور الله الذي ذكره بقوله: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه[2] ، وهو الوجود، والوجود هو الجهة العليا من الإنسان، لأنه لا ينظر إلى نفسه أبداً بل إلى ربه، بينما لا تنظر الماهية إلى ربها أبداً، بل تنظر إلى نفسها.

أما شرطه: فأن تنصف ربك، لأنك حين تنظر بدليل الحكمة، فأنت تحاكم ربك، وهو يحاكمك إلى فؤادك، كما قال سيد الوصيين : ”لا تحيط به الأوهام، بل تجلى لها بها، وبها امتنع منها، وإليها حاكمها“ [3] .

فربك يخاصمك عندك، فزن بالقسطاس المستقيم، ذلك خير وأحسن تأويلاً، مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ، ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً[4] ، وقف عند بيانك وتبيُّنك وتبيينك على حد قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ، كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً[5] ، وتنظر في تلك الأحوال كلها بعينه تعالى، لا بعينك، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً، إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً[6] ، فهذا نمط دليل الحكمة.

وأما دليل الموعظة الحسنة: فهو آلةٌ لعلم الطريقة، وتهذيب الأخلاق، وعلم اليقين والتقوى، وإن كانت هذه العلوم تستفاد من غيره، ولكن بدون ملاحظة هذا الدليل، لاتقف على اليقين، لأنه أقل ما قسم الله على العباد.

ومستنده: القلب والنقل.

وشرطه إنصاف عقلك، بمعنى أن لا تظلمه ما يستحقه وما يريد منك من الحق، ومثاله قوله تعالى في سورة فصِّلت: ﴿قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ، مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ «52»، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[7] ، وكقول الصادق لعبد الكريم بن أبي العوجاء حين أنكر على الطائفين بالبيت الحرام، فقال له ما معناه: ”إن كان الأمر كما تقولون، وهو ليس كما تقولون، فأنتم وهم فيه سواء، وإن كان الأمر كما يقولون، وهو كما يقولون، فقد نجوا وهلكتم“ [8] ، فهذا نمط دليل الموعظة الحسنة.

وأما دليل المجادلة بالتي هي أحسن: فهو آلةٌ لعلم الشريعة، ومستنده: العلم والنقل.

وشرطه: إنصاف الخصم، وإلا لم تكن المجادلة بالتي هي أحسن، وهو مثل ما قرره أهل المنطق، من المقدمات وكيفية الدليل، وما ذكره أهل الأصول وغيرهم من الأدلة، وكيفية الاستدلال، على نحو لا يكون فيه إنكارُ حقٍّ، وإن كان من خصمك المبطل في مطلبه، ولا استدلالٌ بباطلٍ على حق، ولا على إبطال باطل.

ولا يحتاج هذا إلى تمثيل، لأن الكتب مشحونة به، بل لا تكاد تجد غيره إلا نادراً، وذلك لضعف المستدلين، والمستدل لهم وعليهم، ولكن لا تغفل عن أخذ حظٍّ من دليل الموعظة الحسنة، فإنه شرط طريق السلامة والراحة في الدنيا، والنجاة في الآخرة.

وهذا إذا لم تنل دليل الحكمة، وإلا فخذ وكن من الشاكرين، فليس وراء عبادان قرية، وهو مثل يضرب للشيء الذي ليس بعده شيء، والله سبحانه يحفظ لك وعليك"[9] .

ويمكننا القول إذاً، أن المصادر المأمونة للمعرفة ليست في العقل البشري العاجز فقط، الذي أنتج الفلسفات والنظريات الباطلة، بل هي في الكتاب المعصوم "القرآن الكريم، وفي السنة النبوية الصحيحة، المروية عن أهل بيت العصمة والإمامة ، لأنهم عدل الكتاب وورثته ومفسّروه، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.

وأما من تتبّع خطوات الفلاسفة وتنطع بكلامهم، بعد معرفته أحكام الدين، وروايات أهل البيت ، فقد أدخل نفسه في المحذور، وهو بحكم الجاهل، بدليل قول أبي الحسن الأول ، ليونس بن عبد الرحمن عندما سأله: بم أُوحِّدُ الله عز وجل؟، فقال : يا يونس لا تكوننَّ مبتدِعاً، من نظر برأيه هلك، ومن ترك أهل بيت نبيه ﷺ ضل، ومن ترك كتاب الله وقول نبيه كفر» [10] .

وهذا أيها القارئ الكريم مثال على منهج الشيخ في الاستدلال أضعه بين يديك:

إذ شرح معنى ”الإرادة“، بناءً على المرويات عن الأئمة ، من أن إرادة الله ليست قديمة، مفنداً بذلك قول الملاّ صدرا، الذي اعتبر الإرادة من الصفات الكمالية لله «أي الذاتية»، فبعد أن تكلم في القدرة كصفة من صفاته الكمالية، قال: ”وكذلك الكلام في إرادته وحياته وسمعه وبصره“ [11] ، فإن الإرادة على رأيه  هو وأكثر القوم من المتكلمين والحكماء المتألهين والصوفية، وغيرهم  قديمة، وهي ذات اللّه، وهي العلم الخاص بالمصلحة، وليست العلم المطلق، بينما مذهب أئمتنا أنها حادثة، وأنه ليس للّه إرادة قديمة، لأن الإرادة لا تكون إلا والمراد معها، ولأنه تعالى لم يزل عالماً قادراً، ثم أراد، لأن إرادته إنما هي إحداثه لا غير، لأنه لا يروّي ولا يهمُّ ولا يفكر.

وقد روى الصدوق في توحيده عن الرضا أنه قال: ”المشيئة والإرادة من صفات الأفعال، فمن زعم أن الله لم يزل مريداً شائياً فليس بموحد“ [12] .

ومحاجته مع سليمان المروزي، كما في التوحيد وعيون أخبار الرضا والاحتجاج وغيرها، مما لا تنكر، حتى أنه لم يترك لسليمان حجة ولا نوع احتمال.

يقول الشيخ الأحسائي: "ولا شك أن كل من له أدنى عقل يحكم بحدوثها من جهتين:

الجهة الأولى: أن اللّهَ سبحانه وتعالى قال: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ[13] ، وقال الإمام الصادق : ”العبودية جوهرةٌ كنهها الربوبية، فما فقد في العبودية وجد في الربوبية، وما خفي في الربوبية أُصيب في العبودية“ [14] ، وقال الإمام الرضا : ”قد علم أُولوا الألباب أن الاستدلال على ما هناك لا يعلم إلا بما هاهنا“ [15] .

وجاء في الأبيات المنسوبة لأمير المؤمنين ، يخاطب بها الإنسان:

وأنت الكتابُ المبينُ الّذي *** بأحرفه يَظهرُ المضمَرُ

أتحسب أنك جرمٌ صغير *** وفيك انطوى العالمُ الاكبرُ[16] 

وغير ذلك، مما يدل على أنَّ دليل هذه وأمثالها يوجد في الإنسان، والذي تجد في نفسك أن إرادتك حادثة، فإنك قد تريد فتوجد إرادتُك، وقد لا تريد فتنتفي إرادتُك، ولو كانت هي ذاتك، لما أمكن نفيها مع وجود ذاتك ولو اعتباراً، لأنك لو اعتبرت نفي شيءٍ ممَّا هو أنت، لم تقدر إلا بملاحظة المغايرة، ولو اعتباراً وتصوراً، أو اعتبار حيثية، وكل ذلك لايتصور في حق القديم تعالى، مع أنك تقول: لم يرد الله، وقال تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ[17] ، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ[18] ، فكيف تكون هي ذاته وهي تُنفَى وتثبت؟.

ولايصح هنا أن يقال: إن هذه إرادة الأفعال وهي لاشك حادثة، ونحن إنما نريد ونعني بالقديمة، التي هي ذاته، لأنا نقول:... الإرادة إنما هي طلب الفعل، لأنها ميل الذات إلى جهة مطلوبها، فإذا فرضتم أن الإرادة قديمة، فما معنى أراد اللّهُ ذاتَه؟ فكما أنك تقول: علم ذاتَه، وسمع ذاتَه، فما معنى أراد ذاته؟، يعني أحب نفسه؟، أو أراد أن يكون هو إياه؟، أو أن يكون سميعاً بصيراً وعليماً، فكان ما أراد بإرادته؟، أم أراد ما لم يدخل في قدرته؟، أم أراد ما كان؟.

والجهة الثانية: أنكم لا تعرفون الأزل، ولم تدركوه، ولم ترَوه، ولا صعدتم إليه، فترون ما ثَمَّ، ولا نزل إليكم فتشاهدون ما جاءكم به، ولم يأتكم منه خطابٌ ولا كتابٌ ولا رسولٌ يخبركم بما تدَّعون، وإنما جاءكم منه رسول صادق، ﷺ، يخبركم عنه أنه ليس هو إرادة، ولا له إرادة قديمة هي ذاته أم غيرها، بل إرادته هي عين فعله بلا مغايرة.

ولذا قال الصادق : ”أما الإرادة من الخلق الضمير، وما يبدو لهم من الفعل بعد ذلك، وأما إرادة الله فإحداثه لا غير، لأنه لا يروّي ولا يهمُّ ولا يفكر“ [19] .

وقال الإمام الرضا : ”المشيئة، والإرادة، والإبداع، أسماؤها ثلاثة ومعناها واحد“ [20] ، ولما قال سليمان المروزي: إنها هي العلم، قال له : ”المشيئة ليست كالعلم، فإنك تقول: أفعل ذلك إن شاء اللّه، ولا تقول: أفعل ذلك إن علم اللّه، ومن قال بخلاف هذا، فهو قائل بما لا يعقل، أو مفتر على الله“، هذا بدليل الحكمة.

أما بدليل المجادلة، فقال مدّعي قِدَمِ الإرادة والمشيئة بقدمها لوجهين:

الأول: إنها لو كانت حادثةً، لكانت محدَثةً بإرادة غيرها، وتلك الإرادة إن كانت حادثة كانت حادثةً بإرادةٍ أُخرى، ويلزم التسلسل، فيجب أن تكون قديمة.

والثاني: إنها صفة، والصفة لا تقوم بنفسها ولا بغير موصوفها، فلو كانت حادثةً كان تعالى محلاً للحوادث وهو باطل، فيجب أن تكون قديمة.

والجواب عن الأول ما ذكره قال: ”إن اللّهَ تعالى خلق المشيئة بنفسها، ثم خلق الخلق بالمشيئة“ [21] ، فإذا كانت محدثةً بنفسها، كما هو شأن كل فعل من عالم الغيب كالنيّة، فإنها محدثةٌ بنفسها لا بنيّةٍ أُخرى، أو عالم الشّهادة كالحركات الظاهرة، فإنها محدثةٌ بنفسها لا بحركة أخرى، فلا يلزم التسلسل، وهذا ظاهر.

والجواب عن الثاني: أما عن كونها صفةً والصفةُ لا تقوم بنفسها فغيرُ مسلَّم، فإن كلَّ شيء من الخلق فهو صفة فعله تعالى، وجميع الجواهر قائمة بأنفسها، إذ كلُّ معلولٍ جوهريٌّ فهو قائم بنفسه، وهو صفة علته، لأنه كالمصدر المؤكد من الفعل في قولك: ضرب ضرباً، وأما أن الصفة لا تقوم بغير موصوفها فغير مسلَّم، فإن كل صفةٍ قائمةٍ بموصوفِها قيامَ صدور فهي قائمةٌ بغير موصوفها، فالأشعة صفة السراج ونور الشمس والقمر، وهي قائمة بالجدار، والكلام صفة المتكلم، وهو قائم بالهواء، والإرادة من هذا النوع، وهذا ظاهر، فإنه تعالى أقامها بنفسها، وأقام الأشياء قيام صدور بها، وقياماً ركنياً بنفسه، أي بمادته.

وأما أنه لو كانت حادثةً كان محلاً للحوادث فهو حق، ولكنه تعالى أيضاً كما لايجوز أن يكون محلاً للحوادث، لا يجوز أن يكون محلاً للقدماء.

فإن قلتَ: يجوز في القديم لأنها ذاتُه، قلتُ لو كانت ذاتَه جاز، لكنها غيرُه، لكون مفهومها معلوماً مُدرَكاً، لأنه ميل الذات، والذات لا تكون ميلاً لنفسها، وإلا لزم التغاير والتعدُّد.

وإن قلتَ: إنها غير مدرَكة، قلنا لك: فَلِمَ سميته بما لم تدركه، ولم يسمِّ نفسه به؟، فإن قلتَ: قد سمَّى نفسه بكونه مريداً، قلنا: إنما سمَّى نفسه بكونه فاعلاً بها كما قال تعالى: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[22] ، وإرادته هي أمره المعبّر عنه ب ”كن“ [23] .

الفصل الثاني: العقل في مدرسة الشيخ الاوحد

يعتقد الشيخ واساطين مدرسته، أن العقل جوهرٌ نورانيٌّ داركٌ للمعاني المجردة والجزئية، وأنه هبةٌ إلهيةٌ، وليس محصِّلةَ الصور والنظريات الفلسفية.

ويؤمن ”الشيخ الأوحد“ في منهجه الفلسفي ذاك، ”بعجز العقل البشري عن التشريع، فالمرشد للعقل في جميع استنتاجاته، هو التشريع السماوي المحفوف بالعصمة الإلهية، فلازم على العقل اتباع الدليل التشريعي حتى يأمن الزلل، وبالأخص في الأمور العقائدية، لأن العقائد كلَّها موقوفةٌ على الوصف والنعت، لتوحيد وتنزيه صفات وأسماء الباري تعالى، وكل ذلك توفيق من الحق سبحانه لا يقاس بالعقل“ [24] .

ويضيف الشيخ: ”كما أن الشريعة الإسلامية، اهتمت بالأمور الصغيرة جداً، وجعلت لها أحكاماً خاصة، فمن الأولى الرجوع إلى التشريع السماوي في الأمور العقائدية“ [25] .

كما أن ”الشيخ الأوحد“ لم يكن منكراً لجميع أحكام العقل، وإنما كان يرى ضرورة عرض أحكامه على النقل، وبالتالي التوفيق بينهما، ولذلك كان للشيخ مذهب خاص في التوصل إلى النتائج الفلسفية، فهو لا يكتفي بما توصل إليه عن طريق العقل فقط، لأنه يرى أن العقل إذا لم يسترشد بالنقل تنكب الطريق السوي، كما أنه لا يكتفي بما يحصل عليه من النقل فحسب، لأنه يرى أن النقل، إذا نزل بمفرده لا يستطيع الوقوف على قدميه طويلاً، فهو لايكتفي بهذا وحده، ولا بذاك، وإنما يعمل جاهداً على أن يطابق بينهما مطابقة تامة، وبذلك المنهج التوفيقي فقد أضاف إلى الحكمة الإسلامية آراءَ مبتكرةً، فيما يطابق العقل والنقل، فتمكن من تحقيق مايلي:

أولاً: ابتكاره لمنهج فلسفي جديد لم يسبقه إليه أحد، خلاصته التوفيق بين الفلسفة وبين أخبار أهل البيت ، باستخلاص الحكمة من تراثهم المنقول عنهم.

ثانياً: تفسيره للعديد من الأخبار، وحلُّه للكثير من المسائل الشائكة، وقدرته على فك الرموز الغيبية في هذه الأخبار، التي تركها القوم ”في سنابلها“ خشية من تناولها.

ثالثاً: تناولُه بالشرح أعتق الكتب الفلسفية آنذاك، ومنها: ”المشاعر“، و”العرشية“، لملاّ صدرا، وابتداعُه العديد من المفردات والمصطلحات الحكمية، التي لم يألفها المشتغلون بالحكمة أنفسهم، وعندما تناول الشيخ الأوحد المشاعر والعرشية، تناولها بعمقٍ وبذهنٍ ثاقبٍ، وجودةٍ في السليقة.

الفصل الثالث: الإلهام وانكشاف نور العلم

لم تكن مصادر المعرفة، وقيمها التي تعتبر الركيزة الأصلية للعلم، مطروحة للبحث منذ أقدم مراحل الفلسفة، ولعل أبرز العوامل التي أدت إلى التفات العلماء للبحث في ”نظرية المعرفة“، هو اكتشاف أخطاء الحواس، وقصور وسائل المعرفة[26]  الحسية، أما الفلسفة الإسلامية فقد كانت تتميز على الدوام بقوة موقفها من أدوات المعرفة، وقد احتفظت بموقفها الحاسم، المبني على أصالة العقل والروح في المسائل الميتافيزيقية، دون التقليل من قيمة التجارب الحسية[27] .

ولقد دأب الماديون في إطار نظرتهم الكونية إلى العالم، على التركيز على أداتين فقط من أدوات المعرفة: هما العقل والحس، بينما يعتقد الإلهيون بوجود أداة أخرى، وراء هاتين الأداتين، يتجهز بها عددٌ ممن طَهُرت قلوبهم وصفت أذهانهم، وصُقِلت نفوسهم، فاستعدوا لتلقي المعارف من علم الغيب، ومما وراء الحس والشهود، وهي معارف الوحي والإلهام، التي يتلقاها الأنبياء والرسل والأولياء المعصومون «الأئمة»، لاعتقادهم بأن دائرة الوجود أوسع من المادة، فإن هناك شهادة، وهناك غيباً، هذا التباين في أدوات المعرفة بين الماديين والإلهيين، بحثه الفكر الفلسفي تحت عناوين شتى.

ويمكن تلخيص القول في بواعثنا للبحث عن نظرية المعرفة، فيما يلي:

أولاً: إن الشيخ ومريديه، لاقَوا كغيرهم من المتكلمين والفلاسفة الإلهيين، نوعاً من الإنكار والمقاومة والنقد لأدواتهم المعرفية.

ثانياً: إن تقييم جميع المناهج الفلسفية والعلمية، يتوقف على المنحى والاتجاه المتخذ في هذا العلم، فما لم يتخذِ العالِمُ رأياً حاسماً في المسائل المطروحة في هذا العلم، فإنه لايصح له الإذعان لأي قانون فلسفي أو علمي.

ثالثاً: اتفاق العلماء، على أنه لايمكن للإنسان اكتساب جميع المعارف والإدراكات، من غير أدوات معرفية، ورغم اختلافهم على أولويات تلك الأدوات وأهميتها، فقد حصروها في ستة أدوات: العقل، التمثيل، الاستقراء، التجربة، الإلهام، والإشراق.

ونعود لأهم أداتين من أدوات المعرفة، استخدمهما الأحسائي في إطار منهجه الفكري، ألا وهما العقل والإلهام، لتناولهما من الناحيتين النظرية والتطبيقية، لوضع الأساس الفكري للأوحد في إطاره الصحيح.

أما العقل فعمله يتميز عن عمل الحس، لأن الحس لا يتعدى المحسوسات، بل يقتصر عمله على نقل صور عنها، من دون أن يكشف عن شيء آخر سوى ما يتعلق به، بينما عمل العقل على العكس تماماً، إذ عمله درك المفاهيم الكلية، التي لا تأبى الصدق والانطباق على أزيد من فرد واحد.

وفي كيفية إدراك العقل نظريتان:

الأولى: نظرية التجريد والانتزاع، وهي بنظر ”الشيخ الأوحد“ قائمة على سلب العقل الخصوصيات والمشخصات عن الأفراد، واستخراج القدر المشترك.

والثانية: نظرية تبديل المعرفة الحسية إلى المعرفة العقلية، بالخلق، أو بالارتقاء من درجة إلى درجة، والعقل عند الأوحد - كما ذكرنا - جوهرٌ نوريٌّ داركٌ بذاته للأشياء قبل وجوداتها المتشخصة، له مادة وصورة، مادته الوجود الذي هو هيئة المشيئة، وصورته الرضى والتصديق، والتسليم والطاعة، التي هي صبغة الله".

ويرى الأوحد أن العقل منه الكلي ومنه الجزئي، والكلي هو اسم الله الذي أشرقت به السماوات والأرضون، وهو المذكور في سورة النور، وهو القلم الذي جرى في اللوح بما كان، وما هو كائن إلى يوم القيامة، وهو أول خلق من الروحانيين عن يمين العرش، وهو ركن العرش الأبيض، هذه الكلمات إشارة إلى العقل الكلي في الجملة.

وأما العقل الجزئي: فهو رأس في العقل الكلي، وذلك لأن الشخص له مرآة عن يمين قلبه، مركبها الدماغ، ووجهها إلى جهة العلو، فإذا اعتدلت أمزجتها صفت، فانطبع فيها نور وجه ذلك الرأس المختص بذلك الشخص، على هيئة العقل الكلي، في مراياه المتسلسلة إلى الدماغ، لأنه ينطبع ذلك النور في مرآة المثال، والجميع في مرآة الدماغ من القلب، فتعلقه بدماغ الإنسان على هذا النحو، هذا معنى أنه متعلق بها تعلق التدبير، فحقيقته فيك أنه نور من العقل الكلي، أي ظهوره لك كظهور الشمس بنورها لك، ونور الشيء هيئته، وهو ذلك الانطباع المشار إليه.

وهيئة العقل الكلي، هي مادة العقل الجزئي، انطباع تلك الهيئة في تلك الهيئة، في تلك المرايا، على حسب كبرها وصغرها، وكدورتها، واستقامتها واعوجاجها، وجهتها، ورتبتها ولونها، بحيث تحصل من ذلك الانطباع للمنطبع من تلك المرآة، هيئة تشبه المنطبعة، أو تقاربها في الشبه، أو تخالفها في الجهة، أو الوضع، هي صورة العقل الجزئي.

وهكذا فإن العقل الجزئي كأداة معرفية، هو المسؤول عن اكتساب المعارف التجريدية، والحدسية، والعرفانية أيضاً، وما الذكاء سوى قوة حدس.

ولقد نأى الشيخ الأوحد الأحسائي عن تسمية ابن سينا للعقل الجزئي هذا ب ”العقل القدسي“ وسماه ”العقل الشرعي“، لأنه يرى أنه إنما يَستمِد من نور أعلى، بربط هذه الأداة المعرفية بالله سبحانه وتعالى، عن طريق الرياضات الروحية والعبادات البدنية، فكلما عكف الإنسان المؤمن على ارتداء لباس التقوى، وداوم على النوافل والأعمال الصالحة، ألهمه الله جل جلاله المعرفة.

والدليل على ذلك القرآن الكريم والحديث القدسي، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ [28] ، وقال تعالى في الحديث القدسي المروي عن رسول الله ﷺ: ”ماتقرب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته وإن سكت ابتدأته“ [29] ، وقال الإمام الصادق : " بالحكمة يُستخرَجُ غور العقل، وإذا ماداومتَ على الأعمال الصالحة والنوافل، انفتحت لك الأبواب، وتسببت لك الأسباب، ورُفع عنك الحجاب، ورزقك اللّه من رحمته وعلمه ومعرفته، ومعرفة أحكامه بغير حساب «[30] ».

الفصل الرابع: حدود الرياضة التي يمكن الوصول بها الي السعادة والمعرفة

يمكننا التعرف على حدد الرياضة التي يمكن الوصول بها إلى السعادة والمعرفة عند الشيخ الأوحد، بالاطلاع على الرسالة الجوابية من الشيخ الأحسائي على أسئلة السيد محمد البكاء، والتي قال له فيها: «ثم اعلم أن الله يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا، وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[31] ، فذكر الإيمان ثلاث مرات، والتقوى ثلاث مرات...، ولا تستصعب ما وضعتُ لك بأن تعمل ما تقدر عليه، ولا تترك ما تقدر عليه لأجل ما يصعب عليك، فإنك إذا فعلتَ ما تقدر عليه، قويتَ على ما صعب عليك، قال الصادق : بالحكمة يُستخرَجُ غور العقل، وإذا ماداومت على الأعمال الصالحة والنوافل، انفتحت لك الأبواب، وتسببت لك الأسباب، ورفع عنك الحجاب، ورزقك الله من رحمته وعلمه ومعرفته ومعرفة أحكامه بغير حساب، وقال تعالى في الحديث القدسي المرويِّ عن رسول الله ﷺ: ”ماتقرب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته وإن سكت ابتدأته“ [32] ، [33] .

وفرق كبير بين الإلهام النابع من التقوى والعمل الصالح والمداومة على النوافل، كما عند ”الشيخ الأوحد“، وبين العرفان الفلسفي، الذي ارتبط بالإشراق الإسكندري واقتبس من الأفلاطونية المستحدثة عند الفارابي وابن سينا، وعند المتصوّفة.

فأول درجات هذا العرفان، ما يسمونه ”الإرادة“، أي ما يعتري الإنسان من رغبة في الخلاص لينال الاتصال، وهذا ”المريد“ يحتاج إلى ”رياضة“ ليصل إلى الحق، وعليه أن يطوع نفسه لذلك، وذلك عن طريق الزهد، والعبادة المرافقة للفكر اللطيف والعشق العفيف.

وإذا بلغت الإرادةُ والرياضةُ حداً ما، يحصل لهذا الإنسان بعض الاطّلاع والنور، وذلك بومضات لذيذة تبرق ثم تخمد، وهذا يسمى ب ”الأوقات“ أو الانخطاف.

ويؤكد ابن سينا، أن الإنسان حينما يمعن في الرياضة الروحية، ويتوغل في ذلك، فهو يرى الحق في كل شيء، وينقلب وقته إلى سكينة، ويصير الومض نوراً.

أما إذا عبر الرياضة إلى ”النَّيل“، صار سره كالمرآة الواضحة، يعرف الحق، بل هو الحق، واستحق الذات العليا[34] .

فانظر كيف أدّى به عرفانه المزيّف إلى أن أصبح هو الحق، واستحق الذات العليا، وهذا التعبير هو صورة من صور التعبير الصوفي والفلسفي عن ”الحلول والاتّحاد“ وعن ”وحدة الوجود“، وعن ”الفيض“، وكله منحولٌ عن الفلسفة اليونانية.

الفصل الخامس: نقد المقولات التقليدية للفلسفة والتصوف

تحتل مسألة قدم العالم أو حدوثه حيزاً أساسياً في أية فلسفة كانت، بل إن سمات هذه الفلسفة لتتحدد من خلال الإجابة عليها، حتى لقد بلغت من خطورتها أن سميت بالمشكلة الرئيسية في الفلسفة، ناهيك عن الأهمية القصوى، المتمثلة بأنه لا يمكن لأي دين إلا أن ينطلق منها.

وعلى ضوء الإجابة عنها، تتّحدُ وتتفرّع إجاباتٌ أخرى عن: الكون والإنسان والحياة، لتشكل هذه الإجابات منظومة تعطي ملامح هذا المذهب أو ذاك، سواء أكان ضمن النسق الفلسفي، أم ضمن النسق الديني، وذلك بصورة عامة لكليهما.

وإذا عدنا لحكيم شيراز ”الملاّ صدرا“، لنرى ما يقوله في مسألة حدوث العالم، الأمر الذي يعتقده، وجدناه في مستهل المفتاح الثاني عشر يكتب ما يلي: ”اعلم أن هذه المسألة من أعظم مسائل الإيمان والعرفان، التي اتفق على إثباتها جميع الأنبياء، وحارت في فهمها عقول جماهير الحكماء“ [35] .

يعتقد الملاّ صدرا بحدوث العالم، وأنه مما أجمع عليه أعاظم الفلاسفة والحكماء، وأن القول بقدم العالم قد نشأ بعدهم، بسبب العدول عن سيرتهم، وقلّة التدبّر في كلامهم، وقصور الفهم عن نيل مرادهم [36] .

ويرى الشيخ أحمد بن زين الدين أن لاخلاف بين الفلاسفة وسواهم في القول بحدوث العالم، ولكن الخلاف قائم في كيفية هذا الحدوث، فقول الشيخ بالحدوث حقيقي بناءً على قوله بإبداع الوجود، بينما قول سواهم ظاهري فقط بناءً على قولهم بالفيض، إذ عندما يأتون إلى التفاصيل والكيفية، يتبين أنهم يثبتون قدم العالم لاحدوثه يتضح ذلك جلياً بمراجعة: نظرية الفيض، للملا صدرا، ووحدة الوجود، والحلول والاتّحاد[37]  لإبن العربي وغيرهم.

نقد الشيخ الأوحد لمقولة الملاا صدرا: أن البسيط كالعقل

قال الملاّ صدرا: ومسألة أن البسيط كالعقل وما فوقه كل الموجودات، وأن الوجود كله مع تباين أنواعه وأفراده ماهيّة واحدة، وتخالف أجناسه وفصوله حداً، وحقيقته جوهر واحد له هوية واحدة، ذات مقامات ودرجات عالية أو نازلة، إلى غير ذلك من المسائل التي توحَّدنا باستخراجها وتفرَّدنا باستنباطها، مما قررناه، في الكتب والرسائل، تقرباً وتوسلاً إلى مبدأ المبادئ وأول الأوائل.

وواضح أنه يريد بما فوق العقل المعبود بالحق «عز وجل»، وهذا خلاف المذهب الحق، الذي عليه أئمة أهل البيت ، ففي صريح أحاديثهم، وما يدل عليه كتاب اللّه عزّ وجلّ والعقلُ المستنير بأنوارهم، أن فوق العقل الأرض الميتة وأرض الجرز، وهي أرض القابليات والزيت الذي يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار، وفوق هذا، الماء الذي جعل الله منه كل شيءٍ حيٍّ، وهو الوجود الفائض بفعل اللّه تعالى بلا واسطة، وهو العنصر الذي عناه أفلاطون، بأن فيه مُثُلَ الأشياء على احتمال، وعلى احتمال آخر، أن العنصر الذي فيه المثل هو أرض الجرز، ومرجع الاحتمالين إلى ذلك، المُثل هي حصصُ الهيولى والمواد، فعليه هو الماء والوجود، أو حصصُ الصور والفصول، وهو الزيت وأرض الجرز.

والحاصل أن المراد بالعنصر هو الدواة، وهو المقبول أو القابل، والقلم  الذي هو العقل على الأصح  يستمد من الدواة ويؤدي إلى اللوح، بواسطة الرقائق الروحانية، التي هي بمنزلة المضَغ في تركيب جسد الإنسان، وقبله مشيئة الله التي هي فعله، والسرمد الذي هو وقته، والإمكان الذي هو مكانه، وهو العمق الأكبر، وهذه الثلاثة هي: الوجود الراجح، والماء، وأرض الجرز، جوَّز أن يقال إنهما من الوجود الراجح، وإنهما من الوجود المقيَّد، فما فوق العقل خمسة والله من ورائهم محيط، وكلها مخلوقة لله تعالى بفعله[38] .

موقف الشيخ الأوحد ممن يأخذ عن الصوفية

يعتقد الشيخ الأوحد إن اعتماد بعض المفكرين المسلمين، كالفارابي وابن سينا وسواهما، وخصوصاً الملاّ صدرا الشيرازي، على فلاسفة اليونان والإغريق والصوفية، قد أورثهم مذاقاتٍ فاسدةً أوقعتهم في أمور شنيعة واعتقادات فظيعة، لعل أهمها تبنيهم لنظرية ”الفيض“، ونصرُها بالأدلة الباطلة والبراهين الموهومة، حتى أصبحت محور فكر وثقافة بعض المدارس الإسلامية.

فهذا الملاّ صدرا الشيرازي يقدس فلاسفة اليونان والإغريق، ويسأل اللّه أن يشركه في صالح دعائهم وبركتهم، يقول في كتابه الحكمة المتعالية: ”واعلم أن أساطين الحكمة المعتبرة عند طائفةٍ ثمانيةٌ: ثلاثة من المالطيين: ثالس[39] ، وانكسمانس[40] ، وأغاثاذيمون، ومن اليونان خمسة: أنباذقلس، وفيثاغورس[41] ، وسقراط، وأفلاطون وأرسطاطاليس[42]  «قدس الله نفوسهم، وأشركنا الله في صالح دعائهم وبركتهم»، فلقد أشرقت أنوار الحكمة في العالم بسببهم، وانتشرت علوم الربوبية في القلوب لسعيهم، وكل هؤلاء كانوا حكماءَ زُهّاداً، عُبّاداً متألهين، معرضين عن الدنيا، مقبلين على الآخرة، فهؤلاء يُسمَّون بالحكمة المطلقة، ثم لم يُسَمَّ أحدٌ بعد هؤلاء حكيماً“.

وليس ذلك فقط، بل هاهو يرتكز على تُرّهات الصوفية، وبالأخص ابن عربي.

يقول الشيخ حسن زادة في كتابه، العرفان والحكمة المتعالية: ”إن جميع المباحث الرفيعة، والعرشية للأسفار، منقولة من الفصوص والفتوحات، وبقية الصحف القيِّمة والكريمة، للشيخ الأكبر وتلاميذه بلا واسطة أو مع الواسطة“، ثم يقول: "إذا ما اعتبرنا كتاب الأسفار

الكبير مدخلاً أو شرحاً للفصوص والفتوحات فقد نطقنا بالصواب".

ويقول السيد علي القاضي: إن أحداً من الرعية لم يبلغ ما بلغه محيي الدين بن عربي في المعارف العرفانية والحقائق النفسانية، بعد مقام العصمة والإمامة ”، ويقول أيضاً:“ كل ما لدى ملاّ صدرا هو من محيي الدين، وقد جلس على مائدته"[43] .

ونتيجة لذلك، فقد وقعوا في مخالفة المصادر الشرعية، وفي زلات معرفية كبيرة، حيث إنهم قد قدموا أقوال هؤلاء على القرآن الكريم، وأقوال المعصومين .

ونسب بعضهم إلى أفلاطون، أنه أثبت صور الأشياء التي هي وجوهها وحقائقها، في ذات المبدأ الفياض، ويريد إثباتها في ذات الحق تعالى، وكذلك قال الفارابي:.... ويتحد الكل بالنسبة إلى ذاته، فهو الكل في وحدة، وعبارات القوم  صدرا ومن مشى على خطواته من الفيضيين والقائلين بوحدة الوجود  تُطابق هذا المعنى، فإنهم أثبتوا كل الأشياء في ذاته تعالى بنحو أشرف منها في ذواتها. قال الملا محسن الكاشاني: إن للأشياء كلِّها حصولاً لذاته سبحانه، بعد مرتبة علمه بذاته، بعديّة بالذات والرتبة، من غير لزوم كثرة في ذاته بسبب تكثرها، لوقوعها على الترتيب، الذي يجمع الكثرة في وحدة.

وقال في الكلمات المكنونة في ذكر وجود العالم، نقول: ذات الاسم الباطن هو بعينه ذات الاسم الظاهر، والقابل بعينه هو الفاعل، فالعين غير المجعولة عينه تعالى، فالفعل والقبول له يدان، وهو الفاعل بإحدى يديه والقابل بالأخرى، والذات واحدة والكثرة نقش، فصح أنه ما أوجد شيئاً إلا نفسه، وليس إلا ظهوره، وأمثال ذلك من عباراتهم.

وتوّج الملاّ صدرا ذلك كله، بقوله: وأن الوجود كله  مع تباين أنواعه وأفراده  ماهية واحدة[44] .

الوجود الأول يتعلق بغيره على جهة الحقيقة؟

يقول الملاّ صدرا: ”الأول: الوجود الذي لايتعلق بغيره، ولا يتقيد بقيد مخصوص، وهو الحريُّ - أي الحقيق - بأن يكون مبدأ الكل“.

وقد علق ”الشيخ الأوحد“ الأحسائي على ذلك فقال: قوله: ”الأول الوجود الذي لايتعلق بغيره“ حق، لأن الوجود الواجب لايتعلق بغيره، ولكن يجب أن تعلم، أن هذا القول على جهة الحقيقة التي لاتحتمل غير هذا المعنى، لافي الخارج ولافي الذهن ولافي نفس الأمر، فعلى كون هذا على جهة الحقيقة، يكون القول بأنه صوّر الأشياءَ في ذاته قولاً بتعلق الواجب بغيره، وكذا قول من قال: إنه كلُّ الأشياء لكونه بسيط الحقيقة، وكذا قول: معطي الشيء ليس فاقداً له في ذاته، وإن كان على نحو أشرف، كما يتوهم صحته بهذا التقييد، وكذا من جعل علمه مقترناً بالمعلومات، إلا إذا أراد بالعلم هنا ”العلم الحادث“، كالكتب السماوية، وألواح النفوس الملكية، وكذا من قال: بأنه تعالى فاعل بذاته، وكذا من قال: بأن مجعوله لازم لماهيّته، وكذا قول: إن فعله كطبيعته، وكذا قول: إن تعدد مراتب الوجود بشؤونه الذاتية هي بأحكامها أفرادُه.

وكذا سائر أقوالهم الفاسدة التي ليس في تعدادها فائدة، إلا أنك تقف عليها إن شاء الله تعالى كل في مكانه، فإن كل من نسب إليه شيئاً من هذه وأمثالها، فإنه قد جعل وجوده تعالى متعلقاً بغيره، ولقد عنى غيره من وصف متعلقاً بغيره بصفته تعالى، كما قال الصادق في دعاء الوتيرة بعد العشاء: ”بدت قدرتك يا إلهي ولم تبدُ هيئةٌ ياسيدي، فشبهوك واتخذوا بعض آياتك أرباباً يا إلهي، فمن ثَمَّ لم يعرفوك“ [45] .

وقد كشف عن ذلك أبو الحسن الثاني علي بن موسى الرضا في خطبته: ”أول عبادة اللّه تعالى معرفته، وأصل معرفة اللّه توحيده، ونظام توحيد الله نفي الصفات عنه، لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق، وشهادة كل موصوف أن له خالقاً، ليس بصفة ولاموصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران، وشهادة الاقتران بالحدوث الممتنع من الأزل، الممتنع من الحدوث“ [46] ، [47] .

وهذه وصية مني للناظر في كلامي قدمتها ليتنبه والله ولي التوفيق:

”اعلم أن الوجود شيء خلقه الله لا من شيء، فليس كامناً في ذاته ثم أبرزه، كالنار من الحجر، أو كالإبصار من البصر، أو كالبدوات والخطرات، فإن كل هذه وأمثالها ولادة، وهو سبحانه لم يلد ولم يولد، بل لم يسبق لهذا الوجود قبل إحداثه ذكر مطلقاً، فأول ما ذكره به مشيئته له، وهي فعل اللّه سبحانه، كما قال الرضا لعمران الصابي:“ المشيئة والإرادة والإبداع أسماؤها ثلاثة ومعناها واحد ”وقوله ليونس:“ تعلم ما المشيئة؟، قلت: لا، قال: هي الذكر الأول، فتعلم ما الإرادة؟، قلت: لا، قال: هي العزيمة على ما يشاء[48] .

والأخبار بأن المراد من المشيئة والإرادة والإبداع فعل اللّه، وأن ذلك هو الذكر الأول كثيرة، فهذا المخلوق الأول هو الوجود، الذي خلق منه ما شاء، وهو العنصر الأول الذي خلق منه الأشياء، وهو الماء الذي جعل منه كل شيء حيّ، لا أنه جعل به، فافهم.

ومعلوم أن الله سبحانه أقام الأشياء بأظِلَّتها، كما في كلامهم ، يعني أقامها بها، أي بموادّها وصورها لا بشيء آخر هو مفعول، وهو الوجود، ولأن الوجود حقيقة الشيء، فلو كانت حقيقة الإنسان غير المادة، التي هي الحصة الحيوانية، والصورة التي هي الناطق، لكان قولهم في حد الإنسان الحقيقي المركب من الذاتيات هو الحيوان الناطق، ليس حداً حقيقياً، بل رسمياً أو مجازياً، مع اتفاق العقلاء على أنه حد حقيقي لتركبه من الذاتيات، وهو عندهم  بالاتفاق  جامع مانع، فأين الوجود المدّعَى أن حقيقة الإنسان غير الحيوان الناطق؟.

ويؤيد هذا، أن العقلاء اتفقوا على أن مادة الشيء المطلقة،  التي هي مادة ذلك الشيء حصة منها ، هي مايدخل عليها لفظة «مِنْ»، كما تقول: خلق من تراب، وصنع السرير من الخشب، وصيغ الخاتم من الفضة، وهذا ظاهر لا إشكال فيه، فإذا عرفت هذا، فتأمل قول جعفر بن محمد الصادق ، إمامِك الذي تأتم به، وتدين الله بالأخذ عنه وبولايته، وبالبراءة ممن خالفه ومما خالف قوله، قال : ”إن اللّه سبحانه خلق المؤمنين من نوره، وصبغهم في رحمته، فالمؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه، أبوه النور وأمه الرحمة“ [49] ، ثم استشهد بقول جده أمير المؤمنين : ”اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله“ [50] ، قال الصادق : ”يعني من نوره الذي خلق منه“ أو قال: ”بنوره الذي خلق منه“ [51] .

الموقف من بعض عبارات الشيرازي

قال الملاّ صدرا الشيرازي في الإشراق الحادي عشر من الشواهد، في بحث العلّة والمعلول: ”العِلّيّة والمعلوليّة بنفس الوجود، ولا تأصيل للماهيّة“، ثم قال: ”ذاتُ المعلول محضُ التعلق والارتباط، وإلا كانت له حقيقة غير التعلق، ويكون التعلق زائداً أو عارضاً، فلا يكون مجعولاً بذاته، وهو خرق الفرض“ [52] .

ثم قال: ”فإذا ثبت أن العِلّة الفاعلة علّةٌ بذاتها، والمعلول معلولٌ بذاته، وأن الفاعلة عين وجودها وذات المعلول عين وجوده، لاعتبار الماهيّات، وانكشف أن المعلول ليس بالحقيقة هويّةً مباينةً لهوية علته“.

إلى أن قال: ”فكل مايقع عليه اسم الوجود شأن من شؤون اللّه، فما قلنا أولاً بحسب الوضع والاصطلاح، ومن جهة النظر الجليل: إن في الوجود عِلّةً ومعلولاً، ثم أدّى بنا السلوك العلمي إلى أن المسمّى بالعلّة هو الأصل، والمعلول شأن من شؤونه، ورجعت العليّة والتأثير إلى تطور العلة في ذاتها وتفننها بفنونها، لا انفصال شيء منفصل الهوية عنها“.

وقال في أحوال العلل: ”المبدأ الفاعل بالقياس إلى الماهيّة الموجودة فاعل، وبالنسبة إلى نفس الوجود المفاض عليها من مقوِّمٍ لافاعل، لأن هذا الوجود غير مباين له، وأما بالقياس إلى نفس الماهيّة - بما هي هي - فلا تكون له سببيّةٌ ولا تقويمٌ أصلاً، كما علمت، ولذا قيل: الأعيان الثابتة ما شمّت رائحة الوجود: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ[53] .

وقال: ”الفاعل يؤثر بوجوده في وجود المعلول، والوجودات  من جهة حقيقتها الوجودية  متماثلة، ومتفاوتة بالكمال والنقص، واختلفت من جهة تعيناتها الكلية، المسماة بالماهيّات عند الحكماء، وبالأعيان الثابتة عند آخرين“ [54] .

أقول: ونحوه كلامه في أسفاره التي ما ربح فيها، وغيرها كثير، ولا خفاء في اشتمال ذلك على ما نسبناه إليه، وما فيه من المفاسد الموجبة لبطلان حدوث ما سواه، بل ليس غير الله، فلا عالم في نفس الأمر، ولا أعيان - لاعتباريتها وأزليتها - في ذاته.

وعجباً!! كيف ينطق بهذا الكلام؟.

وقال في مفاتيح غيبه الذي هو خيال فاسد: "فعل الله عبارة عن تجلي صفاته في مجاليها، وظهور أسمائه في مظاهرها، وهذه المجالي هي الأعيان الثابتة والماهيات، وليست مجعولة كما علمت، بل ما شمّت رائحة الوجود، لأن الكمال لوجود الحق، وليس نعت من النعوت الكمالية خارجاً عنه، لأن كلَّ بسيط الحقيقة كلُّ الموجودات، على ترتيبها من الأشرف فالأشرف إلى الأخس فالأخس.

فالإيجاد: إفاضةُ الحق وجودَه على الأعيان، ووجودُه ليس سوى ذاته، إذ ليس للأعيان إلا المظهرية، فهي مرايا لوجود الحق، وما يظهر فيها إلا عين وجود المرئي وصورته، فالموجودات المحدثات صور تفاصيل الوجود الحق وأسمائه وصفاته، ولها اعتباران:

فبالاعتبار الأول، لا يظهر في الخارج إلا الوجود المتعين، بحسب تلك المرايا المتعددة بتعددها، كما إذا قابلت وجهك بشيء فيه مرايا متعددة، يظهر صورتك في كل منها فيتعدد، فعلى هذا ليس في الخارج إلا الوجود، والأعيان على حالها في العلم معدومة العين، ما شمّت رائحة الوجود الخارجي، هذا لسان الموحد الذي غلبه شهود الحق.

وبالاعتبار الثاني، ليس في الوجود إلا الأعيان، ووجود الحق الذي هو مرآة لها في الغيب، ما يتجلى إلا من وراء نتق العزّة وسرادقات الجلال والجمال، وهذا لسان من غلبه الحق، وأما من يشاهد النشأتين فلا يزال يلاحظهما من غير انفكاك"[55] .

وكذا إثباته في المفاتيح[56] ، وأسرار الآيات[57]  وغيرِها، خزائنَ اللّه خارجةً عن العالم في صقع الوهمية، لا تعد من العالم، بمعنى ما سوى اللّه، وفسّرَ مفاتيح الغيب الواردة في الكتاب والسنة، بما يبطل كونه تعالى محدِثاً لما سواه وخالقاً له وحادثاً.

فإن قال بأنها لا شيء، أفسد قوله فيها بالثبوت والتمايز، ولها لوازم ومقتضيات ومرايا للحق، وغير ذلك، وجعلِه لها مرتبطةً بالوجود الحق، مستجنّة فيه، أو لازماً لها، كالحرارة والنار، أو الشجرة في النواة ونحوها.

وقولُه وأمثالُه بوجود هذا العالم الظاهر من ذلك، وعنصر مركب، مع قوله بأن هذا من شؤونه وهي ذاته، فرؤيته كرؤية الأحول الشيءَ الواحد متعدداً، والشعلةَ الجوّالةَ آلةَ دائرةً، وكالصدى عقيب الصوت، فإنه لا ينفعه ذلك الإقرار والقول مع هذا وما سبق.

والفرق بينه وبين قولنا كالفرق بين العرش والفرش والهدى والضلال والكفر والإيمان، ولذا تراه مثّلَ لهذا التعدد بالوجه والمرايا، فأصاب في المثل، وأخطأ في بيان الكيفية والمطابقة، وهكذا فيما يستعمله في الأمثال تبعاً لابن عربيب[58] ، وقال شاعرهم:

وما الوجهُ إلا واحدٌ غير أنه إذا أنت عددت المرايا تعددا[59] 

ويمثلون له الخلق بالبحر وأمواجه وليست غيره، وبالثلج والماء، ومن أشعارهم:

البحر بحرٌ على ما كان في القدم *** إن الحوادث أمواجٌ وأنهار

لا يحجبنّك أشكالٌ تُشكِّلُها *** عمّن تشكّلَ فيها فهي أستار

فتكون العبادة عندهم وأحكام الشريعة ترجع إلينا، بحسب الاعتبار التكثري للأعيان، بظهور الذات بها، لا في نفس الأمر، وحقيقة الوجود، فإنها اللّه الذي هو كل الوجود وحقيقته، حتى ابن الفارض الضال المُضل يقول في تائيته:

وما كان لي صلّى سِوايَ وَلم تَكن *** صَلاتي لِغيرِي في أَدا كُلِ رَكعَةِ

ولو أخذنا في نقل كل ذلك لخرجنا إلى التطويل الممل، ولا تتعجب من سريان الشبهة، بسبب القصور والتبعية مع الدعوى، فتحصل التبعية كما وقع من بعضنا[60] ، فاعتقد أصول المتصوفة، كالملاّ الشيرازي وتلامذته[61] .

الموقف من موافقة الملاّ صدرا لبعض عبارات ابن عربي

يقرر ابن عربي عند تفسيره لقول زوجة فرعون بالتعبير القرآني في سورة القصص: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ[62] ، فيقول: ”فيه قرة عينها بالكمال الذي حصل لها كما قلنا، وكان قرة عين لفرعون بالإيمان الذي أعطاه اللّه عند الغرق، فقبضه طاهراً مطهّراً ليس فيه شيء من الخبث، لأنه قبضه عند إيمانه قبل أن يكتسب شيئاً من الآثام، والإسلام يجبُّ ما قبله، وجعله آية على عنايته سبحانه بمن شاء حتى لاييأس أحد من رحمة اللّه“ ف ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ[63] ، فلو كان فرعون ممن يئس ما بادر إلى الإيمان، فكان موسى كما قالت امرأة فرعون فيه: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ، لاتَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا[64] ، وكذلك وقع، فإن الله نفعهما به ، وإن كانا ماشعرا به» [65] .

ويؤكد في مورد أخر أن إيمان فرعون لم يكن بسبب تيقنه الهلاك، فلا يُلحق بالمحتضَر، فقد آمن مع تيقنه النجاة، لأنه عاين المؤمنين يمشون في الطريق اليبس، فآمن على التيقن بالنجاة، ”فكان كما تيقن، لكن على غير الصورة التي أراد، فنجاه اللّه من عذاب الآخرة في نفسه، ونُجِّي ببدنه“ [66] ، ويعلق ملاّ صدرا على نصه السابق بقوله: ”وهذا كلامٌ يشم منه رائحة التحقيق“.

وهذا مثالٌ على عدم أخذ الحق من أهل البيت ، هذا، وهم يقرؤون قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ[67] ، ويقرؤون في حق فرعون قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ «40» وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ «41» وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ «42»[68] ، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا: آمَنَّا بِاللّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ «84» فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا[69] ، وأجمع المسلمون على أن فرعون مات كافراً، والقرآن المبين والإجماع المحقَّق العامُّ من المسلمين ماقاوما عنده كلام مميت الدين[70] .

الخاتمة:

يتضح مما تقدم أن الشيخ الأوحد الأحسائي قدس سره، أسس مدرسته في زمن، جمدت فيه العقول، واكتفى أكثر المشتغلين بالفن بتكرار ما وصلهم من مقولات أخذوها عن غير المشرب الذي أميروا به، بلا فحص ولا تدقيق، اتكالاً واسترسالا وهيبةً، حتى أصبح كلام الفلاسفة عقيدة يدان بها وأصحابها أئمة يأخذ عنهم ولا يرد عليهم، فقدمت مقولات الفلاسفة على كلام الأنبياء والأوصياء، وأصبحت النصوص الشرعية تطوع لموافقة ما جاء به الفلاسفة، وتوقفت العقول عن إيجاد الحلول الناجعة للمعضلات الفكرية والفلسفية، حتى قيض الله، حكيما حاذقا جلدا مقداما، وفقه الله لإيجاد الحلول الناجعة، والبراهين الثاقبة، فأيقض العقول، وساقها إلى المنابع الصافيه والأنهار العذبة، والعقول التامة الكاملة وهم محمد وعترته الطاهرة.

[1]  سورة النحل: اية: 125.
[2]  الكافي ج1 ص218.
[3]  نهج البلاغة ص 269، الاحتجاح للشيخ الطبرسي ج1ص204.
[4]  سورة الإسراء: اية 35.
[5]  سورة الإسراء: اية 36.
[6]  سورة الإسراء: اية 37.
[7]  سورة الأحقاف: أية 10.
[8]  الكافي للكليني ج1ص74 - 75، بحار الأنوار للمجلسيي ج3 ص42.
[9]  شرح الفوائد في حكمة أهل البيت ج1 ص81 - 85.
[10]  الكافي للكليني ج1 ص56 باب البدع والرأي والمقاييس ج10
[11]  أنظر شرح المشاعر للشيخ الأوحد الاحسائي ج2 ص304 - 305
[12]  الكافي للكليني ج1 ص110.
[13]  سورة فصلت: الآية 53.
[14]  مصباح الشريعة: ص7، الباب 2.
[15]  بحار الأنوار للمجلسي: ج 10، باب 19ص 316 - التوحيد للشيخ الصدوق: باب 65ص437 - عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق: ج 1، باب12ص 174.
[16]  من الشعر المنسوب إلى الإمام الوصي علي بن أبي طالب : ص75.
[17]  سورة المائدة الاية 41.
[18]  سورة البقرة الاية 185.
[19]  الكافي للكليني ج1 ص109، بحار الأنوار للمجلسي ج 4 ص 139 باب 4، الإرادة ص 11.
[20]  بحار الأنوار للمجلسي ج 54 ص50، تحف العقول لابن شعبة الحراني ص423 والوارد فيه: «اعلم أن التوهم، والمشيئة، والإرادة، معناها واحد وأسماؤها ثلاثة»، توحيد الشيخ الصدوق ص435 باب 65، عيون أخبار الرضا 2/154.
[21]  بحار الأنوار للمجلسي ج 4 ص145 باب 4، الكافي للكليني ج 1 ص110.
[22]  سورة يس: الآية 82.
[23]  شرح المشاعر ج 2 ص305 - 310.
[24]  آخر الفلاسفة، حسن الشيخ ص 134نقلاً عن: فكر ومنهج، عبد الجليل الأمير ص 51.
[25]  آخر الفلاسفة، حسن الشيخ ص134، نقلاً عن: فكر ومنهج، عبد الجليل الأمير ص 51.
[26]  آخر الفلاسفة، حسن الشيخ ص143.
[27]  آخر الفلاسفة، حسن الشيخ ص144.
[28]  سورة البقرة الآية 282.
[29]  الكافي للكليني ج2 ص 352، توحيد الشيخ الصدوق ص 400.
«3» انظر: رسائل الحكمة للشيخ الأوحد الأحسائي ص 152.
[31]  سورة المائدة آية 93.
[32]  الكافي للكليني ج2 ص 352، توحيد الشيخ الصدوق ص 400.
[33]  انظر: آخر الفلاسفة ص159 - 160، نقلها من رسائل الحكمة للشيخ الأوحد ص 152.
[34]  آخر الفلاسفة حسن الشيخ ص 195، نقلاً عن الفلسفة العربية، رمزي النجار ص155.
[35]  فلسفة صدر الدين الشيرازي، رسالة دكتوراه في الفلسفة، إعداد نزيه الحسن، ص232.
[36]  الأسفار الأربعة ج5 ص 207.
[37]  لا يجوز في العقول أن يحل الله في غيره، لأن الحالَّ مفتقرٌ إلى المحل، وكل مفتقرٍ إلى غيره يعد ممكن الوجود، واللّه تعالى واجب الوجود كما في كل الفلسفات والشرائع، كما أن العقول لا تجيز أن يتحد الواجب مع الممكن، ولأنه لايعقل صيرورة الشيئين واحداً، وجمهور الصوفية وبعض فلاسفة المسلمين قالوا بالحلول والاتحاد، وهو كفر صريح وإلحاد واضح.
[38]  شرح المشاعر ج1 ص 85 - 86.
[39]  ثالس Thales: «نحو 640 - 548 ق. م»، ولد في ميلاتُس «آسيا الصغرى»، فيلسوف ورياضي يوناني، اشتهر بالمبدأ المعروف باسمه، قال: إن الماء هو المبدأ الأساسي لكل شيء.
[40]  أنكسمانس Anaximenos: «2550 - 2480 ق. م»، فيلسوف يوناني قال: إن الهواء هو أصل الأشياء كلها، وأنه مادة غير متناهية، وأنه من جنس النفس البشرية.
[41]  فيثاغورس Puthagoras: «القرن 6 ق. م»، فيلسوف ورياضي يوناني تفرغ لدرس الحكمة، وعاش مع أتباعه حياة مشتركة في الزهد، إليه يُعزى الحساب المعروف بجداول فيثاغورس في الضرب، قال بتناسخ الأرواح، وبقيام ”حركة الكون“ على الأرقام.
[42]  أرسطاطاليس أو أرسطو Aristote: «384 - 322 ق. م»، مُربّي الإسكندر، فيلسوف يوناني، من كبار مفكري البشرية، تأثّرت بوادر التفكير العربي بتآليفه التي نقلها إلى العربية النقلة السريان، وأهمهم: إسحاق بن حنين، مؤسس مذهب ”فلسفة المشّائين“، مؤلفاته في المنطق والطبيعيات والإلهيات والأخلاق، أهمها: المقولات، الجدل، الخطابة، كتاب مابعد الطبيعة، السياسة، النفس.
[43]  الكتاب التذكاري ص41.
[44]  شرح المشاعر ج1 ص. 54.
[45]  بحار الأنوار ج3 باب 13 ص 293 - الإرشاد ج2 ص 152 - فلاح السائل فصل 29 ص 290، ورواه الشيخ في المصباح.
[46]  توحيد الصدوق ص 35، عيون أخبار الرضا ج2 ص 135، «البحار ج 4 ص 228 وج54 ص 43 الطبعة الكمبيوترية من مكتبة أهل البيت ».
[47]  المشاعرج2 ص7و8.
[48]  الكافي للشيخ الكليني ج1 ص 158.
[49]  بحار الأنوار ج 64 ص 73.
[50]  الكافي للشيخ الكليني ج 1 ص 218.
[51]  شرح المشاعر ج2 ص 7 و8.
[52]  هدي العقول ج3 ص61.
[53]  سورة النجم الآية: 23.
[54]  هدي العقول، ج3، ص61
[55]  هدي العقول ج3 ص63.
[56]  كتاب المفاتيح للملا صدرا
[57]  كتاب: أسرار الآيات للملاّ صدرا، مصدر سابق.
[58]  شواهد الربوبية ص49 بتصرف.
[59]  هدي العقول ص65، وذكره صاحب جامع الأسرار ومنبع الأنوار ص203 و313 ولم ينسبه لأحد، وفي: شرح فصوص الحكم للقيصري ص562.
[60]  يقصد أحد معاصريه من طلبة العلم، وهو الشيخ أحمد العكري، راجع هدي العقول ج3 ص65.
[61]  هدي العقول ج3 ص61.
[62]  سورة القصص الآية: 9.
[63]  سورة يوسف الآية: 87.
[64]  سورة القصص آية: 9.
[65]  في التصوف الإسلامي ص 223.
[66]  الحب في التصوف الإسلامي ص 223، نقلا عن فصوص الحكم «م. س» ص201.
[67]  سورة النساء الآية: 18.
[68]  سورة القصص الآية 40 - 42.
[69] سورة غافر الآية: 84 - 85.
[70]  شرح المشاعر ج2 ص487 - 488.