آخر تحديث: 25 / 10 / 2020م - 1:51 م

رحلة إلى طهران

أحمد شرف السادة

سقطت بطاقة من محفظتي كنت احتفظ بها لصديقي الحاج آغا ابو الحسني الذي بدأت معرفتي به في مشهد قبل سنوات وكان لقائي معه آخر مره عندما تجول بي في مدينة قم وعرفني على اسرته فعزمت التوجه برحلة جديده لكن هذه المره الى طهران.

فتواصلت مع صديقي واخبرته بمجيئي فسر كثيرا وأقترح أن يرافقني هذه المره ابنه مهدوي الذي يعمل في العاصمة طهران وفعلا رتبت اجراءات سفري وحطت قدماي في مطار الامام الخميني بطهران ومع انهاء اجراءات الدخول وجدت صديقي مهدوي يستقبلني في الصاله وبعد تبادل التحايا والسلام اخذنا طريقنا الى فندق وسط العاصمة لكن غبار ودخان التلوث تحيط بأرجاء المدينه بوضوح وكلما اقتربنا ازداد الزحام شدة ومع تبادل الاحاديث أعلمني ان مدينة طهران يقطنها أكثر من ثلاثة عشر مليوناً.... أوووه يا له من عدد ضخم.

مررنا ببرج الحرية في طهران وقال لي: هل تعلم ياصديقي ان هذا المكان يحمل ذكريات مايقارب ستة وثلاثون عاماً حيث تظاهر هنا أكثر من مليوني شخص رغم الحظر وطالبوا بانسحاب الشاه وعودة الامام ومنذ ذلك اليوم أصبح ميدان آزادي رمزآ للعاصمة طهران،

قلت له: رمزاً! لماذ!؟ الى هذه الدرجة!؟

فقال ليس لأنه بناء جميل بل هو بني قبل الثورة بسبع سنوات بل لأن ماحدث هنا هو تغيير جذري في المجتمع وفي أسلوب حكمه ولكن ليس أي حكم بل بمأسسة قوانين اسلامية مناسبة لوضعنا الحاضر بهدف ضمان الاقتراب أو محاولة

الاقتراب من قيم الحق والعدل والاستقلال والحريه التي كانت المظاهرات المليونيه وقيادتها تنادي بها منذ مرحلة ماقبل الانتصار.

وعلى فكره قال لي صديقي مهدوي أنا لم أعش تلك الايام لكن عرفت ذلك من خلال التوثيق التاريخي للأحداث وماألمسه حالياً وما قرأته من «تاريخ قبل از انقلاب» وأحاديث والدي ووالدتي.

ماهي إلا لحظات حتى وصلنا الى فندق «بين المللي» وقال لي الآن وقت راحتك وسنبدأ رحلتنا غداً حيث سألتيقك في بهو الفندق في التاسعة صباحاً «شب بخير» قال لي مودعاً فرردت عليه بمثلها ولا أعلم هل ردي في مكانه أم لا؟

في صباح اليوم التالي التقيته بعد الافطار كما هو اتفاقنا وقال: هل تحب ان تذهب الى مكان معين؟ قلت له: ضع الجدول المناسب كما ترى فقال: حسناً.. سوف نتجه الى بيت الامام الخميني في منطقة جمران، سار بنا نحو منزل الامام الذي يقع في الشمال من العاصمة والملاحظ ان مساحته لا تتجاوز 150 متراً مربعاً وأمعنت النظر في غرفته الخاصه التي يستقبل فيها المسؤلين وذلك الممر الحديدي الذي يصل بين بيته وحسينية جمران المجاورة والتي يستقبل فيها الجماهير في المناسبات.

وأياً كان موقف الشخص الزائر لذلك البيت أو صاحبه يشعر باحساس غريب مملوء بعبق التاريخ وسيرة قادة الأمة الأوائل حيث تحول منزله الى متحف لايصال رسالة للزائرين مفادها أن القائد المؤثر ليس بالضرورة أن يعيش في أبهة «سعد آباد» أو قصر «نياوران»...!

عند الخروج لفت نظري قبواً في الأسفل، فقال لي صديقي مهدوي أن به معرضاً للمتعلقات

الشخصية للامام فهل تحب زيارته؟

فوافقته ونزلنا اليه فاستقبلنا شيخ هناك على منصة مرتفعه بها مكتب متواضع أخذنا جولة في ذلك القبو الذي يحتوي على كتابات بخط الامام وبطاقته الشخصيه واغراضه وعبائته وحذاءه وصور تحكي مراحل الثورة الاسلاميه... وبعد الانتهاء من تلك الجوله أهداني ذلك الشيخ اصداراً صورياً عن الثورة والدولة والامام

ولأنه كان يتكلم العربية جيداً تشجعت وسألته: ما الذي أحدثه الامام من ذلك الوقت الى يومنا؟

فتبسم وقال: أتريد ان أحدثك عن ستة عقود من نضال الامام! الوقت لا يسع «أزيزما» لكن سأذكر لك شيئاً سيما وأنك قريب من مدينة الرسول ﷺ فالنبي محمد جاء وبنى دولة وقيماً وجدد مجتمعاً جاهلياً وعليه بُدلت مواقع واُلغيت امتيازات ولكن اعماله تلك قد مست في العمق مصالح شخصية لأفراد وخطوط... فتشكلت فرقاً عديدة لمحاربة هذا الخط المحمدي الاصيل وكما حدث ذلك في تاريخ الاسلام فهو تكرر هنا عند تأسيس الامام بمعية شعبه للدولة الاسلامية فقلب الموازين الدولية واستطاع أن يطرح الاسلام من جديد كمنهاج لقيادة العالم الذي كانت تتقاسمه يومها قوتان هما شرقية وغربية وباتت اليوم دولة تُسابق الدول المتقدمه علمياً ونووياً فتحطمت مصالح الغرباء،

ومن أول يوم كانت ولازالت هناك دول وسياسات تحارب هذه الدوله بأساليب مختلفه.

ليست بالضروره ان تكون حرباً عسكرية بل ان حرب التشويه والتزييف والتخوين والاكاذيب الاعلاميه الضخمه لازالت مستمرة!!

طرق مسامعنا صوت الاذان فانتهى الحديث مع ذلك الشيخ، عدنا من ذات الطريق الذي دخلنا منه للتوجه الى برج ميلاد هكذا اعلمني صديقي مهدوي، وصلنا اليه فوجدت المكان جميل جداً ويعد معلماً سياحياً، يتم الدخول اليه بعد شرائك لبطاقة الدخول... اخبرني مهدوي انه ليس فقط معلماً سياحياً بل بُني من أجل تقوية البث الاذاعي والتلفزيوني وتحسين خدمات الاتصالات ويضم مطاعم وفندق من فئة الخمس نجوم ويرتفع 435 متراً عن سطح الارض ويعد سادس برج اتصالات من حيث الارتفاع في العالم وكل ذلك ليس بغريب لكن الملفت ان الشركة التي بنته ايرانية والمهندس الذي قام بتصميمه ايراني ايضاً.

هذه المعلومات كنت اتداولها ونحن نتناول الطعام في البرج الدوار في الطابق العلوي وبعدها عدنا الى الفندق وسألته ما برنامجنا غداً؟ فقال: الى اجواء السينما...!

قلت: اوووه انك تمزح

فقال: مبتسماً شب بخير... خدا هافز

منذ الصباح خابرني صديقي واستقلينا سيارته الى حوزة هنري «مركز الفكر والفن الاسلامي»

هذا المركز تشرف عليه وزارة الثقافة وهو يحتضن الابداع الثقافي والفني والسينمائي... حيث ان هناك قسماً لوزارة الثقافة لشؤون السينما يساعد على انتاج الافلام بالتعاون مع مختلف البلدان هذا ماذكره لنا معرف المركز الذي استقبلنا بحراره وهو يتحدث العربية والانجليزية بطلاقة... حتى أن عيني لاحظت احد الممثلين المصريين ضمن وفد يزور المركز لكن لا أتذكر اسمه وعندما سألت آغا جواد وهو الذي اصطحبنا بجولة في المركز قال: يوجد تعاون كبير بين مركز هنري وكثير من ممثلي وزارات الثقافة لعدة بلدان... ولأن ملامحي عربية اُهديت مجموعة صحف مختصة بالسينما الايرانية وللعلم هناك مايقارب عشرون نشرة متخصصة في السينما في ايران مما يدل على تطور هذا الفن وتكيفه مع الواقع الجديد بعد لثوره.

 ورأيت اعلانات «بوستارات» معلقة في ارجاء المركز وصور لممثلين ايرانيين كنت قد شاهت بعضهم في مسلسل يوسف الصديق الذائع الصيت بالرغم من بعض الانتقادات من هنا وهناك.

فسألت آغا جواد أين تم تصوير هذا المسلسل؟ فقال: تم التصوير في المدينة السينمائية دفاع مقدس... حيث تم بناء معابد وديكورات وفي اثناء حديثه أمسك بيدي واخذني الى جناح آخر فيه صور للمدينة التي بنيت واخرى توثيقية للمثلين مع قائد الثورة الاسلامية.

ومن ثم سألني آغا جواد: هل شاهدت مسلسلات مريم المقدسة وأصحاب الكهف وغريب طوس؟

ختم كلامه بالقول الدنيا لاتزال بخير ولا يزال هناك الكثير ممن ينجذبوا نحو الجمال والخير

والفن الحقيقي... قلت له: لدي رغبة لزيارة مدينة السينما فهل سنجد ديكورات المسلسل هناك؟

فقال لي مبتسماً: وستجد منزل نبي الله يوسف ايضاً وللعلم أن تكلفة انتاج المسلسل بلغت خمسة ملايين دولار واستغرق التصوير ثلاث سنوات...!

انهينا الزيارة في مركز هنري... فقلت لصديقي مهدوي: هل يسعنا الوقت في هذه الرحله لزيارة المدينة أم في في فرصة أخرى؟

ونحن نتجول في شوارع طهران لفت نظري لافتات تبرق بالنيون لأسماء مطاعم ووجبات للبرغر والبيتزا يرتادها الكثير من الفتية والفتيات فلما رآني صاحبي قال لي ان كنت أرغب بأن نأكل منها؟ وبصراحه وافقته الرأي لانني مللت من أكل الجلو كباب وكباب سلطاني، دخلنا مطعم عليه علامة «M» الشهيره مع تغيير بسيط الى ماش دونالز!

دار الحديث بيني وبينه حول انتشار هذه المطاعم وسألته: ألا يعد ذلك من تجليات الغزو الثقافي؟

فنظر لي بابتسامة تشبه ابتسامة ابيه المكرم صديقي الحاج آغا أبو الحسني وكان ينتظر أن انهي جميع اشكالاتي وقبل أن يجيب أو يعلق رن هاتفي النقال واذا به صديقي مفيد يحدثني من ولاية كاليفورنيا ويسأني ان كنت محتاجآ لشيئ لأنه سيعود من هناك بعد اربعة ايام... لكن صوته لم يكن واضحاً فسألته: ماهذا الضجيج الذي أسمعه من حولك؟ فقال مفيد: اني أحدثك من مطعم اليمن السعيد وهو مملوء بالزبائن العرب وانت تعرف طبعهم وكذلك الامريكيين فهم يفضلون هذا المطعم لانه يقدم أطباقاً لايجدونها إلا في المطعم الع

المهم انقطع الاتصال بيني وبينه وعدت لاستكمال الحديث مع صديقي مهدوي فقال لي: صحيح أن الطعام ثقافة لكن الغزو الثقافي لايعني عدم تبادل الثقافات حتى في الطعام... وأردف ضاحكاً لكن هذا الطعام الغربي يلائم قواعد «الحلال» الاسلامية، واذا سرنا بهذا المقياس فانه وفي وسط الولايات المتحدة ووسط نيويورك هناك أحياء مشهورة بكونها عربية بل ان حتى شارع «استوريا» معروف محلياً بشارع العرب فهو مليء بالمقاهي والمطاعم العربية فهل يعد ذلك غزواً عربياً لأمريكا؟ أليس هناك أحياء صينية في أمريكا فهل يعد ذلك غزواً صينياً ثقافياً لأمريكا؟

بل على بعد ميلين من ديزني لاند تحول المركز التجاري في مدينة أناهيم الى حي يجمع المجتمع العربي الأمريكي بل حتى محلات تدخين الشيشه منتشره في «لتل أرابيا»!!

يا صديقي... يقول مهدوي: لا يجب أن يكون نظرنا قاصراً في تحليل الأمور أو ان نعطي

بعض المظاهر أكبر من حجمها... تأملت في كلامه جيداً فتاقت نفسي الى أن أرتشف شاياً ايرانياً مخصوصاً ونحن نرتشف ذلك الشاي الخفيف قلت له: ان البعض يرى في ايران بعد ستة وثلاثون عاماً مكاناً مظلماً وفظيعاً لكن مايلمسه الزائر الموضوعي لهذا البلد يجد تعدد ألوان وثقافات وأعراق وتاريخ مما يفسر أن الحياة تسير بهم نحو فرح كبير ومستقبل واعد!

كان هذا هو آخر يوم لي في طهران العاصمة حيث غداً أعود الى بلادي... عدنا الى فندق «بين المللي» ونحن نهم بالدخول لفت نظري وصول وفد سياحي يضم شخصيات من المانيا وهولندا وايطاليا واليابان والصين... فلما سألت صديقي عنهم ذكر لي أن هؤلاء رجال أعمال اوربيين لديهم مؤتمراً اقتصادياً... فقلت في نفسي: أيعد هذا المجتمع مكاناً مظلماً وفظيعاً!

ولعلم صديقي مهدوي برحلة المغادرة غداً في ذات الوقت الذي سيكون فيه مشغولاً بتغطية زيارة لعدد من السياح، اتفقت مع سائق الفندق على ايصالي الى المطار،

سلمت على صديقي مودعاً ومبلغاً سلامي الى عائلته الكريمة وتمنيت أن التقيه في مكان ما من بلادي!!