آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 12:08 ص

الاستفتاء التسقيطي

أحمد العلي النمر

منذ سنوات والوسط الديني في الاحساء يعيش حالة من عدم التوازن، وسبب ذلك أن جهة ما وضعت نفسها موضع الوصاية الدينية على المجتمع الشيعي، واختصرت التقوى والورع والفقاهة في جهتها، أما الآخرين فمهما بلغت مراتبهم العلمية والثقافية لا ينبغي لهم أن يغردوا خارج سرب هذه المنظومة... ولو حصل ذلك من احدهم - حتى لو كان وكيلا للمراجع - فإن أنواعا من حروب الإقصاء والتسقيط ستقع عليه.

و«الاستفتاء التسقيطي» واحد من أقذر الأسلحة المستخدمة لهذه الحرب، وبين يدي نموذجا لأحد هذه الاستفتاءات التي انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي - صورته مرفقة - والمعني به احد الوكلاء في الاحساء، أحاول من خلاله أن القي الضوء على هذه الظاهرة البالغة الخطورة.

1 - بداية لست في مورد تقييم الاستفتاء أو إجابة المرجع عليه فهذه لها أهلها.

2 - الاستفتاء مذيل باسم «جمع من المؤمنين من أهالي الاحساء» وهو مصطلح ناعم في ظاهره أما باطنه فسم زعاف لأنه يُصنف في خانة الأسماء الوهمية والمستعارة التي يتستر أصحابها خلفها لغرض الإساءة أو التسقيط أو التشهير بجهات أو شخصيات لا يستطيعون مواجهتها أو مقارعتها الحجة بالحجة، وكلمة «جمع» هنا يمكن أن تعني ثلاثة أو ثلاثة آلاف أو أكثر من ذلك، وربما تعني شخص واحد فقط هو من حرر الاستفتاء، وأياً كان العدد فطالما أنه بلا أسماء صريحة فإنه داخل في دائرة التدليس والخداع.

3 - عدم ذكر اسم «الوكيل» المدعى عليه لا يخلو أيضا من تدليس... فلو كان حقا قام بهذه التصرفات المنافية للشرع المقدس فلم لا يذكر اسمه ليتعرف عليه المرجع ويحاسبه ولكي لا يقع المؤمنون في حبائله، ولكن لأن خلف الأكمة نوايا سيئة فقد تم إخفاء أسمه حتى لا يتم التواصل معه واكتشاف زيف ما قيل عنه.

4 - واضح أن من كتب الأسئلة طالب حوزوي وقد كتبها وهو يعرف سلفا أن إجابة المرجع ستكون وفقا لما يريده السائل... وواضح أن سبك الأسئلة لا يخلو من مبالغة وتحامل.

5 - المرجع من خلال تجاربه يعرف أن ساحة طلبة العلم لا تخلو من «الحسد والغيرة» ولذلك يتعامل شخصيا أو من ينوب عنه مع مثل هذه الاستفتاءات على أنها «دعوى من مجهول ضد مجهول»... فلا يرتب عليها أثرا، ويضعها في خانة الأسئلة الافتراضية.

6 - كان حرياً بأولئك «الجمع من المؤمنين» إن كانت لديهم غيرة حقيقية على الحقوق الشرعية أن يرفعوا للمرجع تقريرا عن ملايين الريالات من الحقوق التي ضاعت في السنوات القليلة الماضية في مغامرات تجاريه غير منضبطة، ولكن يبدو أن للتيار والمصالح دور في الصمت هنا والتشهير هناك.

7 - من المتعارف عليه لدى أكثر الذين يدفعون الحقوق الشرعية أن تعامل الوكلاء مع قضايا الحقوق الشرعية يتفاوت بين التسامح والتشدد... بعضهم يغلب عليه التشدد عند التحصيل، والتشدد في صرف هذه المبالغ في المنطقة، ويهتم بالتملق بضخ اكبر كمية من الحقوق لمكاتب المراجع، والبعض الآخر سهل ومتسامح في قبض الحقوق من المؤمنين، وحريص على تغطية حاجات المؤسسات الدينية «المحلية» التي تتمول من الحقوق الشرعية قبل أن يحول أي مبلغ للمرجع.

8 - قد يقول قائل: - طالما لا يوجد اسم للوكيل في هذا الاستفتاء فلا يصح أن يقال عنه «تشهيري»... ولكن الواقع يقول خلاف ذلك لأنه صحيح أن ثمة شرائح من المجتمع خارج الاحساء لا تعرف هذا الوكيل ولكن من المؤكد انه معروف لدى مجموعة من أبناء المنطقة التي يعيش فيها والذي استُخدم هذا الاستفتاء - ولا يزال - كمنشور تشهيري وتحريضي ضده رغم مرور أكثر من أربع سنوات على صدوره...

9 - لو افترضنا جدلاً صدق المثالب التي ذكرها المستفتي بحق الوكيل المذكور فإنها في الحقيقة لا تدل إلا على نزاهة ونظافة يد وعزوف عن بهرج الدنيا وشهوة المنصب، فبإمكان الرجل أن يحرص على تحصيل اكبر قدر من المال ويحذو حذو ذلك الوكيل الذي استطاع بما تحت يده من حقوق شرعية أن يشكل إمبراطورية مالية «تخر لها الجبابر ساجدينا».

10 - أي استفتاء أو بيان يمس شخصية أو رمز أو جماعة أو يتحدث عن قضايا اجتماعيه لها ربط بجهة أو تيار ويذيل بأسماء مجهولة مثل «جمع من المؤمنين» أو «جمع من طلبة العلم» أو «طلبة الحوزة» أو ما شابهها بدون ذكر أسماء صريحة أو ختم رسمي فإن ذلك من باب التشهير الذي يؤدي إلى خرق السلم الاجتماعي، والسكوت عنه سيتيح الفرصة للجبناء والفاشلين وأصحاب النفوس الضعيفة أن يمارسوا هذا الأسلوب الهابط بحق من يختلفون معه، ويمكن لحاقد واحد أن يحدث بلبلة في مجتمع برمته باستخدام مثل هذه المصطلحات بأن يضرب التيارات بعضها ببعض لغرض إحداث فتنة في أوساط المجتمع المؤمن.

11 - يمر المجتمع المؤمن بحالة استثنائية حرجة جدا تقتضي التكاتف والتعاون وتناسي الخلافات، وبسبب هذا الوضع يعيش السيد السيستاني وبقية مراجعنا العظام حالة «دوام متواصل» قد لا يسعفهم الوقت لارتشاف فنجان قهوة لعظم الأحداث التي تمر على المنطقة وعلى الشيعة بشكل خاص... في هذا الوقت العصيب وهذه الأحداث الجسام لا يزال بعض طلبة العلم في مجتمعاتنا يعيشون حالة من الخواء الفكري والتزمت والذوبان في «التياراتية» وبدلا من أن يكونوا عونا للمراجع في توطيد أواصر اللحمة بين أفراد المجتمع نجد أن اكبر همهم تتبع عثرات من يختلفون معهم - في التيار أو التقليد أو منهج العمل - وتهويلها وتضخيمها وإمطار مكاتب المراجع باستفتاءات تافهة لا ثمرة من ورائها سوى صب الزيت على نيران الفتن.