آخر تحديث: 27 / 9 / 2020م - 5:30 م  بتوقيت مكة المكرمة

عندما انفصل البحر عن النخل على أرض القطيف

عبد الرسول الغريافي

قلما نلاحظ انحسار الغطاء الأخضر في الأزمنة الماضية عن بعض أراضي واحة القطيف، فلم تعرف هذه الواحة التصحر أو إزالة أي جزء من بقعتها الخضراء في الزمن الماضي إلا لظرف قاهر أو بسبب آفة اوحريق فمايلبث أن يعاد إعمارها. بل وعلى العكس فقد أثبتت البحوث وخصوصا الميدانية منها أن بعض الأحياء السكنية أو مجموعة من المنازل كانت في الماضي تزال من أجل استصلاح وإنشاء حقول زراعية جديدة في القطيف كلما دعت الحاجة وذلك في القرون الماضية وحتى بداية القرن الماضي. لقد بزغت هذه الظاهرة الخطيرة وهي التجني والقضاء على الأراضي الزراعية وكذلك تدمير الشواطئ ودفنها والقضاء على الطبيعة الفطرية التي تعيش بينهما ولكن بشكل ضئيل جدا في بداية القرن العشرين لإنشاء أحياء سكنية جديدة وكذلك لانصراف البعض إلى أعمال أخرى غير الاعمال الزراعية أو البحرية أو صيد الاسماك واللؤلؤ حيث ظهور أعمال جديده.

في أحد المعارض الفوتوغرافية ولا انسى انه كان في عام 1416 هجرية عرضت صورة نادرة قد التقطتها وهي تحكي طبيعة أرض القطيف حتى نهاية السبعينات من القرن الماضي لبساتين النخيل التي تطل على البحر مباشرة. وحين كلفني البعض بكتابة تعليق عليها، كتبت هذه العبارة: ”ترى ما الذي قالته موجات البحر للنخل عند هيجانها حتى تنافرا وافترقا؟“ كان لتلك العبارة أصداء عند من عاصر تلك الأجواء وشهد تلك الحقبة الزمنية حيث نبهت الذكريات من غفوتها وأججت لظى التوق إلى الرجوع لأيام الخوالي وجلت للذاكرة استعادة مامضى. كانت اللقطة لمنظر بديع فيه يتجلى خط طويل لبساتين النخيل وهي تطل على شاطئ بحر الخليج ويتوسطهما غابات أشجار القرم أو الشورى «المنقروف» حيث تفصل بين البحر وتلك النخيل مشكلة منظرا خلابا يسلب الألباب. إنه شريط زراعي اخضر قد امتد من اقصى جنوب سيهات حتى أقصى شمال صفوى - يعرفه البعض بالدستور - ثم يمر بعنك حيث يتخلله أحيانا شاطئ ذهبي الرمل وقد قام بحارة عنك ببناء «الحظور» داخل شاطئه وهي مكامن من جريد النخل تستخدم لاصطياد الأسماك. ويفصل بين هذين الشريطين - الأخضر والأزرق - ممر ضيق يتراوح عرضه بين نصف المتر إلى اتساع قد يصل فيه إلى عشرين مترا يسمح للمارة ان يطوفوا بين البحر والنخل، وقد يسمح في بعض المناطق لمرور بعض العربات التي تجرها الدواب وكذلك التنزه بالدراجات. وهناك بعض البقاع فيه يتخذها الناس للتنزه والجلسات بين البحر والنخيل، كما انه مكان مناسب جدا فيه يستذكر الطلاب دروسهم وخصوصا في مواسم الإختبارات حيث يحمل الطالب كتابه مفتوحا بين يديه وهو في ذهاب وإياب أو في جلسات فردية أو جماعية.

ويستمر امتداد هذا الشريط ليمر على بعض الأحياء والقرى الساحلية بالقطيف كالشويكه والكويكب والشريعة والإمارة والدرويشية والقلعة ثم البحاري والحريف والزاره والعوامية وهكذا حتى صفوى. وأما جزيرة تاروت فلها أيضا شواطئها المشابهة تماما لتلك الشواطئ الخضراء التي تحيط بحدودها كجزيرة وبنفس النظام؛ شريط زراعي بغابات النخيل، ممرات ضيقة، غابات القرم ثم البحر. وتحظى بعض المواقع لهذا الشريط الأخضر بخصوبة منقطعة النظير تزيد من جودة الإنتاج كما هو معروف عن الطماطم المتميز والبطيخ القطيفي في منطقتي رامس بالعوامية وساحل صفوى؛ فلهما أسعار وإقبال على الشراء يختلف عن بقية إنتاج سائر المنطقة.

في العقد الخامس من القرن الماضي، ظهرت أحياء سكنية جديده بنظام الملاحق التابعة لبعض القرى والأحياء السكنية القديمة في القطيف نتيجة لمطالبة عمال وموظفي بعض الشركات كشركة أرامكو وغيرها وكانت على حساب بعض البساتين التي تم القضاء عليها ولكن بقيت أسماؤها تطلق على الأحياء التي بنيت على أراضيها، وكذلك امتد هذا التوسع العمراني لدفن بعض أجزاء البحر المطل على بعض الأحياء كحي الخصاب والطابوق في سيهات وحي المسعودية التابع للشويكة وحي أم الجزم التابع للدبابية والميدان والحر التابعين للكويكب وبديعة البصري التابعة للشريعة والبستان والشماسية التابعين للقلعة وما جاورها والسطر والدوبج بين مياس والمدارس وغيرهم في بقاع مختلفة من الواحة. إن جميع تلك الأحياء في ذلك الوقت لم تؤثر كثيرا في الغطاء الأخضر لواحة القطيف لأنها تعتبر قليلة جدا نسبيا وعلى مدى زمني بطيء وبشكل متقطع.

أما ماحل من تخريب على مزارع وبساتين القطيف في منتصف السبعينات من القرن الماضي وعلى وجه التحديد بدءا من عام1397 هجرية الموافق 1977م قد كان هناك عبث خفي لعب دورا جائرا في انحسار الغطاء الأخضر وكذلك الدفن الوحشي للبحر الذي قضى على البيئتين الفطريتين الزراعية منها والبحرية بما فيها القرم وفروش الحجارة المرجانية والأخوار ومكامن بعض الأسماك «الأجفار» ومهد محار اللؤلؤ وأماكن تفريخ الثروة السمكية، كما وقد قضى على جميع المصادر البيئية الطبيعية واستهدف أيضا القضاء على جميع العناصر المكونة لتلك البيئة في آن واحد ومن أبرز هذه الأضرار هو انحسار جميع الأراضي الزراعية المتاخمة للبحر والممتدة من سيهات جنوبا حتى صفوى شمالا وقد جاءت متزامنة مع القضاء على نفس ذلك الغطاء المحيط بجزيرة تاروت رغم أنها كانت لاتزال تحت ملكيات خاصة لم تنتزع هذه الملكية من أصحابها بل أن بعضها وبعد أن أصبحت أراض بور ظلت مستمرة تحت ملكية أصحابها القدامى أنفسهم حتى أيامنا هذه!! فما الذي دفع بهذا التخريب الجائر لتلك البيئة الطبيعية الآمنة التي كانت باقية ومستمرة على ذلك الحال لمئات بل ولآلاف السنين؟ فبين عشية وضحاها يحل كل ذلك الدمار في غضون خمس سنين كبداية فقط فيه تم تقهقر الشريط الزراعي غربا حتى بات يضمحل، وأما البحر فقد أصبح ماؤه غورا ونأى الى الجانب الغربي؟ لعله لغز محير يطرح ذاته بين آونة وأخرى. وما يزيد الطين بلة ان استهداف القضاء على ماتبقى من طبيعة البيئة مستمر ومتنقل من عنصر لآخر بين آونة وأخرى!

وتحت عدة مسميات ومبررات. هكذا انفصل البحر عن ذلك الشريط الزراعي بعد عناق دام طويلا، وبهذا الإنفصال خسرت بيئتنا خيراتها وجمالها وضعف اقتصاد مواردها الطبيعي الذي كان يعيش على رزقه الكثير من عوائل المجتمع. هكذا هجرت النخلة شاطيء البحر. وفي تلك الفترة نفسها تزامن ظهور بوادر ضعف مستوى تدفق مياه العيون والتي أخدت في النضوب حتى وصل ذروته في عام 1416 هـ جرية الموافق 1969ميلادي بمافيها العيون الإرتوازية والنباعة القديمة. ومن المسلم به أن جداولها ومصارف مياهها بأنواعها التي تغذي المزارع والحقول والبساتين وتأخذ منها الفائض عن حاجاتها إلى البحر هي أيضا قد اصبحت في مقدمة طائلة الإهمال بل والقضاء عليها؛ فبعد أن حولت وزارة الزراعة في نهاية الخمسينات مايعرف محليا بالسابات وهي جداول مائية واسعة كبيرة تشبة الأنهار الصغيرة إلى مصارف مياة اكثر تنظيما تعرف محليا بالسدود، هي اليوم تحارب من قبل البلدية وتساندها وزارة الزراعة نفسها وتواجه حملات شرسة بضخ اموال ذات ميزانية كبيرة من أجل تحويلها إلى مجاري مياة ضاربة بعرض الحائط ما سيلحق بما تبقى من المزارع والحقول من أضرار ناجمة عن خرس الأرض الزراعية وتجمع الأملاح فيها والتي تقضي على النباتات والمحاصيل. والغريب في الأمر ان بعض المنهدسين الزراعيين والمدنيين المسؤلين عن مثل هذه المشاريع لايروا ان تغطية المصارف تؤدي إلى اي خلل في نظام الري والصرف ولاضرر فيه على الزراعة مع أن الكثير من الفلاحين بدأ القلق يدب في أوساطهم حيث بدأت بعض الأراضي تصاب بالخرس وتجمع الأملاح ما ادى إلى قيامهم بحفر بعض القنوات العشوائية.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
ابوريان
[ القطيف ]: 13 / 3 / 2015م - 12:55 ص
مقال رائع وجميل .
2
أبو محمد
[ القطيف ]: 13 / 3 / 2015م - 9:44 ص
وما هي الحلول قبل فوات الأوان ..!؟