آخر تحديث: 29 / 9 / 2020م - 9:39 ص  بتوقيت مكة المكرمة

معالم وآثار قطيفية مهاجرة

عبد الرسول الغريافي

لعل الحلم بفكرة إنشاء متحف في القطيف ليس بأكثر أهمية من الحلم بفكرة وجود جامعة مثلا أو مستشفى يغطي حاجة تعداد سكانها الكثيف الذي يناهز المليون نسمة، ولكن الحلم بإنشاء متحفا هو أيضا من الأولويات التي تحتاجها منطقة قد تغلغلت جذورها في أعماق التاريخ كالقطيف والتي تزخر أرضها بالآثار التي تدل على قدم ورقي حضارتها وثرائها بتلك الآثار التي أشار إليها الكثير من علماء الآثار والباحثين في هذا المضمار على أنها أغنى منطقة في الخليج بعد حضارة مابين النهرين كما يوضحه الباحث الأمريكي ريتشارد ليبارون باون في بحثه عن عين جاوان «The Early Arabian Necropolis of AIN JAWAN» والذي نشره في عام 1950 ميلادي. بالإضافة إلى ما قاله فريدريك آر ماتسون وكذلك فلورنس إي داي.

فلا تكاد حملة حفريات تنقيبية أجنبية أو محلية تخفق من الإكتشافات الأثرية كما حدث في جاوان وتلال جزيرتي تاروت ودارين والزارة والبدراني وشمال غرب القطيف وغيرها.

لقد تبعثرت تلك الآثار في أنحاء العالم وبعضها يتداول بها بين الهواة المحليين كما وقد تعرضت تلك المعالم الأثرية للاندثار جراء الإهمال والهدم واستغلال أراضيها بالإضافة إلى السطو والسرقات العالمية ويشهد بذلك وجود الكثير منها في عديد من المتاحف العالمية.

لقد أثرت القطع الأثرية القطيفية كثيرا من المتاحف المحلية منها والعالمية؛ فلا يخلو متحف من متاحف الخليج منها وغالبية متاحف المملكة الكبرى ناهيك عن المتاحف الشخصية التي يقتنيها أفراد المجتمع القطيفي والتي تغص بتلك القطع الأثرية.

أما المعالم الأثرية فهي واقعة بين مطرقة الإهمال وسندانة الإزالة والتخريب. فلا يتردد مقاول - مثلا - في أن يزيل معلما أثريا مهما بلغت أهميته حين يتعارض مع مصلحته الشخصية في سبيل تسهيل أمور أعماله طالما أنه يعلم أن الجهات المختصة في هذا الشأن لن تحرك ساكنا بعد فوات الفوت وأنه ليس بيدها إرجاع ما مضى. وهناك الكثير من المعالم التي أزيلت جهلا بقيمتها الأثرية العالمية كجبل البراق بالجارودية وجبل الحريف بقرية الحريف المتاخمة للعوامية وهما مرتفعان صخريان زاخران بالمنحوتات القديمة لأشكال بعض الحيوانات والشخصيات بشكل متقن يرجع تاريخها لآلاف السنين. ويقاوم جزء صغير من جبل القرين بغرب سيهات كل التحديات ويشق عباب الزمن ليبقى صامدا حتى أيامنا هذه، فمن حسن حظه أنه واقع ضمن أملاك خاصة في وسط مزرعة وهو ذو شقوق محفورة تشبه اللحود ولكنها تأخذ اتجاهات مختلفة على غير عقيدة الإسلام كما أنها أصغر من جسم الإنسان فلعلها كانت أماكن تستخدم لحفظ الثروات فيها أثناء الحروب أو لعلها فعلا قبور يرجع تاريخها إلى ماقبل الميلاد حيث كان يتم الدفن على هيئة القرفصاء في العصور الدلمونية. وهناك العديد من المرتفعات الأثريه الأخرى كجبل أبو الشوفات المليء بالقطع الأثرية من الذهب والفضة التي كانت تحفظ فيه كمستودعات لمنع وصول الأيدي العابثة بغية السطو والنهب أثناء الحروب وذلك في الأزمنة الغابرة، بالإضافة إلى العديد من المرتفعات كجبل المصرانية وأبو العصافير المحيطين بأخوار الأوجام وغيرهما.

وأما إزالة الأحياء القديمة وبيوتها ذات الطابع المعماري المميز بفنونه المتقنة الراقية، فلها شجونها التي تصحبها آلام تدمي القلوب كما هو الحال في إزالة بيوت أحياء قلعة القطيف الأربعة الزريب والخان والسدرة والوارش وكذلك إهمال بيوت الديره بتاروت دون أن يسمح حتى لأصحابها بالقيام بترميمها لتكون صالحة للسكن ولتعطي منظرا جذابا للزائرين من السائحين.

أما الآفة الأخرى التالفة لتلك الآثار فهي إعدام المعالم الأثرية وهي واقفة مكانها دون مبادرة تلك الجهات المعنية في الشروع في ترميمها أو حتى السماح لتدخل أي جهة تطوعية - من الأهالي مثلا - للقيام بترميمها أو حتى السماح لزيارتها كمعلم سياحي أو السماح لأي باحث أن يقوم بإلقاء نظرة دراسية، فتظل مسيجة وتحت رقابة مشددة حتى تؤول في النهاية إلى السقوط كما هو الحال في قلعة محمد بن عبدالوهاب الفيحاني بجزيرة دارين وحمام تاروت بجزيرة تاروت وحمام أبو لوزة وماتبقى من آثار وعيون القطيف التي بدأ نضوب مياهها منذ عشرين عاما بسبب الجور في سحب مياهها وكذلك التلال الأثرية والتي بقيت جميعها تحت الإقامة الجبرية وهي مسيجة لقرابة الثلاثين عاما دون التنقيب وإظهار المعالم المدفونة تحت ركامها.

وأما مواسم هجرة أسراب الوثائق والقطع الأثرية من أرض القطيف إلى دول الخليج ودول الغرب وغيرها إما اقتناء عن طريق شرائها بأثمان بخسة من الهواة أو عن طريق استعارتها من متاحفنا لمدة معينة ثم تمدد تلك الإستعارات إلى آجال غير مسميه. والغريب في الأمر أنه يستعاض عنها بقطع منسوخة منها كطبق الأصل لتعرض بدلا من القطعة الأصلية بينما نجد القطعة الأصلية تنعم بعرضها المتاحف الغربية تحت تعاريف مبهمة ومسميات غير كافية التفاصيل كما هو الحال لتمثال عشتار المتربع هذه الأيام وسط اشهر قاعة في متحف الميتروبوليتين بنيويورك «Metropolitan museum of art and natural history in New York» إن العثور على القطع الأثرية بشكل متوال سواء من قبل الهواة أو عن طريق الصدفة أثناء الحفر لغرض البناء أو غيره لتؤكد استمرارية الاكتشافات الأثرية وبعثرتها على أيدي من لا يقدر لها ثمنا، فحق علينا إذاً أن نسعى في إيجاد صرح يحفظ تلك المعالم والقطع الأثرية حيث وجدت وفي نفس موطنها لتكون أعشاشا تستقر فيها هذه الطيور المهاجرة دون الحاجة لإشخاصها لأي مناطق أخرى فتشتتها الهجرة وتمحو معالمها الغربة ففي ذلك نفيها والقضاء على هويتها، أما آن الأوان لرجوع الطيور المهاجرة لمواطنها الأصلية؟

فكما أن الطير لا يستقر إلا في بيئته التي نشأ فيها، فكذلك لايمكن قراءة تاريخ المعالم والآثار بشكلها الصحيح إلا إذا كانت مستقرة في موطنها الأصلي.