آخر تحديث: 29 / 9 / 2020م - 10:16 ص  بتوقيت مكة المكرمة

أرض الفن والمهنة تخلو من المعالم

عبد الرسول الغريافي

ما أن يصل السائح إلى الفندق الذي سيقطنه في بلد يزورها لأول مرة إلا وقد تكون في مخيلته انطباع عام وشامل عن طبيعة المنطقة وطريقة ومستوى تفكير مجتمعها ونمط العيش فيها وقد ألم ببعض عادات وتقاليد أهلها ومدى تقدمها ورقيها، ثم يجمعها في فكرة عامة تمثل انطباعه وتقييمه المبدئي العام عن هذه البلد وذلك لما يشاهده من استعراضات فنية وأبنية ومعالم وحدائق ونصب تذكارية ومنحوتات تحكي أحداث تاريخية مرت بهذا البلد وأشكال زخرفية تميزت بها هذه المنطقة كل ذلك يراه حين قدومه من المطار وأثناء سيره في شوارعها التي تزدان بتلك المعالم الجميلة، وكلما توغلت جذور المنطقة في القدم حظيت بثراء أكبر من هذه المعالم التي تسلب لب الزائر وانطلاق عنان تفكيره في جمالياتها وعبق معانيها التاريخية.

القطيف محافظة لا تقل شأنا عن أي منطقة يقصدها السائح في أي بقعة من بقاع العالم لما تحمله من قيم تاريخية وطابع تنفرد به طبيعتها؛ فهي بجانب أنها موقع تاريخي مشهود، فقد حظيت بزخم كبير من الحرفين والفنانين من بين أفراد سكانها على مر العصور، إضافة إلى ما يتوفر من معالم أثرية كثيرة متناثرة في ربوعها.

فالسؤال لماذا خلت شوارع وساحات القطيف فجأة من تلك المعالم الجمالية والفنية والتاريخية بعد أن كانت أرضها ملبذة بجميع أشكال وأنواع هذه التحف الفنية والتي استمر تواجدها حتى نهاية الثمانينات من القرن الماضي؟

فهل تسير الخطى بنا إلى الخلف أم أنها باتت أرض جرداء لا محل لها من التقييم في هذا العالم.

لقد استبشرنا في الثمانينات حيث بدأت بعض المجسمات والمعالم الجميلة تظهر هنا وهناك وهي من أعمال وأفكار فناني البلد حتى بلغ عدد المجسمات المستحدثة قرابة العشرين مجسما موزعة في الساحات العامة والمننزهات وفي أوساط بعض الشوارع بالإضافة إلى المعالم الأثرية الموجودة أساسا، وإن أغلبها من تصاميم فنانينا والبعض الآخر هي عبارة عن أجزاء من مبان قديمة جميلة كأقواس أو اعمدة مزخرفة نقلت من موقعها الأصلي إلى ساحات عامة وتلك من أفكار وتحت استشارات هؤلاء الفنانين وبعضها سفن قديمة انتشلت من البحر لتحكي لمن يراها حكايات واقعية قديمة تجسدت فيها حضارة كانت هنا يوما ما ولكنها بقدرة قادرة وبشكل مفاجئ بدأت تضمحل وتتلاشى من أماكنها حيث كانت تفكك وتنفل إلى حيث لا يعلم مصيرها. فمن المرجو والمؤمل مراجعة الحسابات في إعادة تزيين البلد بمثل تلك المعالم.

ومن المقترح على الجهات المسؤولة عن تزيين وتحسين الشوارع والساحات العامة والمتنزهات وكذلك المجلس البلدي - إن كان بالإمكان تحريك ساكنا - أن يشكلوا لجنة من فناني ومعماري البلد نفسها للتطوع في إنشاء تصاميم تحمل معانيا وتجسد روح تاريخ المنطقة وتعكس عادات أهلها وتقاليدها وتحمل اشكالا معمارية مستقاة من تلك الفنون العريقة لمنطقتنا دون الاعتماد على من لا خبرة لهم في هذا المجال من غير أهالي المنطقة الذين يعجزون عن الوصول إلى تمثيل الفنون المعمارية والفنية عند تنفيذها وذلك لأن أهل مكة ادرى بشعابها؛ فالبادقير البرجي «wind tower» - مثلا - ليس من تراث منطقتنا ولا يمت بالفنون المعمارية القطيفية بصلة ولا ما جاورها من كثير من المناطق فكيف ينصب على أنه معلم تاريخي في وسط ساحة بارزة حيث يزود النشء الجديد والزوار بمعلومات خاطئة؟ فكل ما نعرفه هو البادقير الذي يحيط بأعلى جدران سطوح المنازل «wind scoop». وعليه يجب عند تنفيذ تلك المعالم والمجسمات الجمالية مراعاة أسس فنية وتقنية مدروسة بحيث تكون منسجمة مع البيئة التي تحيط بها، ومن أهمها:

أولا: تصنيف المجسمات والمعالم والأعمال النحتية من حيث البيئة المكانية إلى الآتي: المجسمات الخاصة بالميادين والساحات، المجسمات والمنحوتات المحيطة بها العمارات، الأشكال والمجسمات المصممة وسط الدوارات في وسط الشوارع، أشكال ومنحوتات الشلالات والنوافير، التكوينات والمجسمات في الحدائق العامة، المعالم القديمة الموجودة أساسا كآثار تاريخية، القطع الأثرية من المجسمات كالأعمدة والأقواس والمنحوتات القديمة والمخطوطات والنقوش الحجرية الضخمة المنقولة إلى مواقع عامة والأعمال ذات الصفات الإعلامية والمعلوماتية والإرشادية المتمثلة في الأعمال النحتية التي تخلد مناسبات واحداث

ثانيا: المراعات الفنية والذوقية المناسبة واستراتيجية التنفيذ وطريقة العرض من حيث:

الألوان والأشكال وانسياقها مع المحيط البيئي، مراعاة الكتل وتناسب أحجامها مع الفراغات المحيطة بها، تناسب موقع المنظور من حيث الزوايا البصرية والظل والأبعاد، مراعاة توفر عناصر الجذب، علاقة الربط بالثقافة العصرية والبيئية، وجود العلاقات الإنسانية والاجتماعية والجذور التاريخية والثقافية، ظهور العناصر الجمالية وموضوعية التناسق، تناسب الحجم طولا وعرضا مع المساحة والمحيط، مراعاة تناسب محاور وزوايا الرؤيا، بيان ظهور هدف العمل، تناسب مقاومة المواد للظروف الطبيعية والمناخية المحيطة به، تقارب فكرة موضوع المعلم بالبيئة المحيطة وعدم ظهور أي غموض تكسب الشكل أي غرابة في المنظر.

بهذا عند التمكن من النجاح في سير هذا المشروع نكون قد حصلنا على معالم حضارية تزدان بها البلد تأتي كمكمل لرقي ذوق وأخلاق أهلها الكرام وكوسيلة تلعب دورا هاما في تربية النشء الجديد.