آخر تحديث: 9 / 8 / 2020م - 10:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

أنا.. أنا.. أنا..

محمد معتوق الحسين *

تلتقي به بعد سنوات من الفراق. أبعدتكما انشغالات الحياة، إلا أنك متابع لأخباره عن بعد. سرّتك نجاحاته التي وصل إليها عبر السنين، فزاد شوقك للقائه أكثر. ويتم اللقاء، لتُصدم بشخص منفوخ الذات، لا يرى إلا نفسه. همّه أن يتحدث عن نفسه فقط غير مكترث بك ولا بأخبارك. يدوم اللقاء ساعة، يكون نصيبك منها دقيقتين من الحديث، بينما يستحوذ صاحبك المزهوّ على باقي الوقت ليطرب مسامعك بقصص عن قواه التي يحسبها خارقة وإنجازاته التي يظنها جبارة.

المغرورون. نجدهم في كل مكان. فهل عندك صديق مثل صاحبنا أعلاه؟ أم هل درّسك أستاذ جامعي معجب بتاريخه الطويل مع العلم حتى يكاد لا يراك لصغر حجمك أمامه؟ وهل عندك قريب أنعم الله عليه بمال أو جمال فما زال يستعرض بهما طول الوقت؟ بل والطريف أن ترى من لا يملك علماً أو مالاً أو جمالاً يزايد على الآخرين بعلمه وماله وجماله! تتعدد الأشكال والغرور واحد. فهل يوجد حولك من تظن أنه مغرور؟ وكيف تعرف أنه مغرور؟

أناااا..

تعرف المغرور إذا رأيته يكرر كلمة «أنا» 5000 مرة في الدقيقة! فقط راقب كلامه واحسب المرات التي يقول فيها كلمات أنا وأخواتها: أنا، في رأيي، نظريتي، سيارتي، شهادتي، عملي... إلخ. في الوقت ذاته ستلاحظ أنه قلّما يستخدم كلمة «أنت». فالحديث دائماً عنه هو. هو مركز الكون، وحوله تدور الشمس والكواكب والنجوم والمجرات كلها. أما أنت فالحديث عنك هو مضيعة للوقت، ولن يهتم به إلا قليلاً، من باب رفع العتب، حتى لا تتهمه بالغرور!

كما أن المغرور يتكلم أكثر مما يسمع.. بأضعاف عديدة! في حوارك مع مغرور حاول أن تقدّر الوقت الذي استغرقه هو واستغرقته أنت في الحديث. ستُصدم حين تجد الفرق الشاسع. كما ستجد أنك حين تتحدث يكون هو متململاً غير مكترث بالمرة، ينتظر أن تنتهي قصتك المملة ليعود فيتحفك بحكاياته الشيقة.

أنا أرى..

والمغرور دائماً على حق. عنده اعتداد مبالغ برأيه ومنطقه. والأدهى إذا كان هذا الشخص قد قرأ أو درس في المجال الذي يتحدث فيه، مما يبرر له قناعته أنه «أفهم» من الآخرين «الجهّال» ذوي التجربة المحدودة. تراه نادراً ما يقول ”لقد كنتُ مخطئاً“ أو ”معك حق“. ونادراً ما يسألك عن رأيك، أو أن يبدي اهتمامه في تعلّم شيء منك. لن تسمعه يقول ”ما رأيك في هذه المسألة؟“ أو ”أنت أخبر مني في هذا الأمر، فهل بإمكانك تعليمي؟“

لا آسفاً ولا شَكوراً

المغرور يجد صعوبة بالغة في الاعتذار عن أخطائه، ولو اعتذر تجد اعتذاره بارداً جافاً لا يطيّب خاطر الطرف الآخر. أضحكني أحد الزملاء حين أراد أن يعتذر لآخر عن كلمة نابية قالها، فقال له ”أنا آسف“ بصوت حاد وعينين جاحظتين، وصدر منفوخ! لم أكن لأستغرب لو تبع اعتذاره بصفعة! لا عجب أن الآخر زاد غضبه بعد هذا الاعتذار المستفز.

كذلك يفشل المغرور في تقديم الشكر للآخرين. نعم قد يقول كلمة ”شكراً“ ولكنها تكون خالية تماماً من أي إحساس بالامتنان. ألا تذكر حين قال لك أحدهم ”شكراً“ بطريقة تشعرك بالسخط أكثر من الرضا؟ هو هكذا، يقول الشيء الصحيح بدافع رفع العتب فقط، لا لأنه يشعر بأهمية ما يقول. فكيف تنتظر أن يشكرك من قلبه وهو يرى أنك أقل منه، بل قد لا يراك أصلاً؟

ماذا يقول العلم؟

في دراسة حديثة أجرتها جامعة تكساس، وجد العلماء أن الذين عندهم نظرة فوقية وغرور عادة ما ينشّطون الأجزاء المنطقية في الدماغ بشكل أقل حين يتحدثون عن أنفسهم. أي أن نظرتهم المتعالية ليست مبنية على أسس منطقية وتفكير. في الوقت ذاته، أظهرت الدراسة ان ذوي النظرة الواقعية عن نفسهم يستخدمون الأجزاء المنطقية أكثر بأربع مرات!

هذا بالضبط ما نعنيه حين نقول أن المغرور «أخذ بنفسه مقلباً»!