آخر تحديث: 13 / 8 / 2020م - 1:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

بين «الماغنا كارتا» و«اللويا جيرغا»

ميرزا الخويلدي * صحيفة الشرق الأوسط

ما الذي يجمع أو يفرق بين وثيقة «الماغنا كارتا» التي احتفلت بريطانيا قبل يومين بمرور 800 عام على توقيعها، وبين مجلس قبلي نشأ في أفقر بلدان الشرق وأكثرها أميّة اسمه «اللويا جيرغا»..؟.

ما يجمع بينهما أن «الميثاق الأعظم» أو «الماغنا كارتا» كان في حقيقته يعطي دورًا سلطويًا أكبر للنخبة الأرستقراطية البريطانية والنبلاء وليس للشعب، وظهرت هذه الوثيقة للوجود في فترة تحول سياسي كبير بإنجلترا في ظل خلاف بين الملك جون «1166 - 1216»، وطبقة النبلاء والكنيسة الإنجليكانية. و«اللويا جيرغا» هو الآخر يعطي شيوخ العشائر والقبائل دورًا سلطويًا في رسم السياسات المختلف فيها.

لكن الميثاق البريطاني الأعظم، اعتبر أولى خطوات إرساء دعائم الديمقراطية وسيادة القانون والمساواة في المملكة المتحدة، ومنذ صادق الملك جون على الوثيقة في رونيميدي غرب لندن بتاريخ 15 يونيو «حزيران» 1215، أطلقت مسيرة إصلاحات متعثرة لكنها أدت أخيرا إلى النظام السياسي الليبرالي الغربي القائم حاليا.

أصبحت هذه الوثيقة أساسًا للتجربة الديمقراطية الأوروبية والبريطانية تحديدًا، فهي قيدت السلطة المطلقة، لكنها في المقابل فتحت الباب واسعًا لقيام المؤسسات الرقابية، وبناء دولة القانون، وبالتالي أصبحت الوثيقة رمزًا للديمقراطية الغربية.

وهي ألهمت التجارب الديمقراطية الكبرى في العالم، بدءًا من توماس جيفرسون أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة والكاتب الرئيسي لإعلان الاستقلال في عام 1776، كما ألهمت المهاتما غاندي الزعيم الروحي للهند في نضاله السلمي من أجل الديمقراطية.

أهم ما رسخته الوثيقة البريطانية، أنها أوجدت أساسًا قانونيًا يستوعب تطلعات الطبقة الوسطى ويحمي النظام من الترهل. وظلت هذه الوثيقة حتى اليوم تنادي بحرية الفرد والمساواة كقيم عليا وسامية للنظام الليبرالي الغربي، ولذلك فهي تستوعب تطلعات الأفراد مثلما تستوعب خيارات الجماعات المختلفة.

يبدو أن الشرق منجذب أكثر للتجربة الأفغانية «اللويا جيرغا» في تأسيس مجالس قبلية أو عشائرية أو طائفية تتولى الفصل في النزاعات، مادام يمكنها أن تُسمع صوتها أو تمارس تأثيرها أو بسط نفوذها، لكنها لا تؤسس ديمقراطية بالمعنى المتعارف، ولا تفتح أبوابًا لتطلعات الناس، وهي لا توفر حماية للنظام العام، ولا تقيم تجربة إصلاحية يمكن البناء عليها.

ظلت القبيلة أو الطائفة أو زعماء العشائر في البلدان العربية يحتكرون تمثيل الأمة، وبدل أن يكون هناك الملك جورج البريطاني أصبح القادة العشائريون والطائفيون يمارسون استبدادًا جديدًا ومزريًا. والغريب أن هذه التكوينات القديمة تسعى للاستحواذ على الدولة والافتئات على دورها، فهي ليس فقط لم تسهم في تطوير مفهوم الدولة بل أسهمت أكثر في تخلفها.

ما يميز البريطانيين أنهم عرفوا طريقهم قبل 800 عام لقيام سلطة القانون التي تعامل الجميع بمسطرة واحدة متساوية. في حين ما زالت التجربة العربية تراوح مكانها لأنها لم تعترف بالفرد إلا باعتباره تابعًا لمرجعياته القبلية والعشائرية والدينية.