آخر تحديث: 25 / 10 / 2020م - 7:26 م

كيف نشأت الحياة على الأرض؟

محمد حسين آل هويدي *

بسم الله الرحمن الرحيم - ﴿مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا «13» وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا «14» أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا «15» وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا «16» وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتًا «17» ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا «18» وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا «19» لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا «20» - صدق الله العلي العظيم - نوح.

ليس فقط الفلاسفة، بل لا يزال يناضل الكثير من العلماء على مختلف تخصاصتهم لإيجاد إجابة حول بداية الحياة وكيف نشأت. النباتات والحيوانات الموجودة على الأرض اليوم مُجرّد جزء يسير من تاريخ الحياة على سطح البسيطة التي بدأت من قبل ما يقارب 4 مليارات سنة. قبل أن الشروع في هذا البحث سنعرّج على بعض المصطلحات والمفاهيم لكي نستفيد جميعا أكثر لما يقوله أصحاب التخصصات المهتمون بهذا الشأن.

قبل الانفجار العظيم، لم يكن هناك زمان أو مكان أو ذرات، ولم تتكون هذه الأشياء إلا بُعَيْد الانفجار حيث بدأت دقات ساعة الزمن وتَوَسَّعَ المكان وتطايرت الذرات وأشلاء أُخرى أصغر من هذه الذرات. نوعان من الذرات نتجتا جرّاء الانفجار: الهيدروجين والهيليوم. الهيدروجين غاز نشط بينما الهيليوم غاز خامل. بسبب الثابت الكوني المحسوب بدقة متناهية، تجمع الهيدروجين والهيليوم ليكوّنا الشموس التي كوّنت جميع العناصر الموجودة في الكون: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ «49» - القمر. الشموس عبارة عن أفران تدمج ذرات صغيرة لتكون ذرات أكبر. لكي نستوعب الثابت الكوني ودقته، علينا أن نتخيل حجم الأرض وحبيبات الرمال الصغيرة. هذا الثابت عبارة عن حبتي رمل بالنسبة لحجم الأرض. لو زاد الثابت لثلاث حبات، انكمش الكون على نفسه. لو قَلَّ هذا الثابت بمقدار حبة رمل لتطايرت شظايا الانفجار. في كلتا الحالتين، لن تتكون أي شموس ولم نأتِ نحن لكي نتفلسف بمثل هذه الأمور. دِقّة هذا الثابت الكوني جعلت الكثير من علماء الفيزياء روحانيين يؤمنون بمدبّر لهذا الكون الفسيح والعظيم. من مشاهير علماء الفيزياء الروحانيين والذي يصرّح بإيمانه ميچيو كاكو «Michio Kaku» الياباني الأصل. راجع المصادر من 2 إلى 4.

نشأة الحياة على الأرض - مقالبعدما تكتظ العناصر في بطن الشمس وتتكاثر، وعندما تصل إلى تكوين الحديد فإن الشمس تبدأ في المرض - بسبب الحديد التي يكون مثل الفيروس بالنسبة للشمس - إلى أن تنفجر وبعدها تكوّن عناصرَ أثقل وذلك بسبب حجم الطاقة الناتجة عن هذا الانفجار المهول. الشموس لا تمرض من الماس والذي يعتبر أقسى المعادن ولكنها تمرض من الحديد الذي تكون قساوته في المنتصف. الحديد الموجود في وعلى الأرض قد أتى من الفضاء ومن شموس أخرى أكبر بمراحل من شمسنا وهذه الشموس قد نفقت. ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ «25» - الحديد.

بعد انفجار الشموس تتناثر العناصر في الفضاء لتكون مجموعات شمسية مختلفة في مجرات شتى في هذا الكون الفسيح. على الكواكب وبسبب الحرارة والضغط والمساعدات الكهربائية والمحيط تتكون جزيئات ومركبات من هذه العناصر والتي تدخل في تكوين الخلية، والتي تُعتبر أصغر وحدة لبناء الجسم الحي؛ سواء نبات أو حيوان أو حتى وحيدات الخلايا. كل الكائنات تتكون من نوعين أساسيين من الخلايا:

1. خلايا بلا أنوية «Prokaryotic»، وهي أقدم أنواع الخلايا.

2. خلايا بأنوية «Eukaryotic»، وهي مشتقة، أي متطورة، من النوع الأول.

الخلايا التي تفتقد للنواة لا تحظى بما يُسمى بالحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين، أو ما يسميى باللغة الإنگليزية بال دي إن إيه - DNA - «DeoxyriboNucleic Acid»، ولكنها تحتوي على الحمض النووي الريبي - RNA - «RiboNucleic Acid». هناك اختلافات بين - DNA - و- RNA -، ولكن ما يهمنا أن - RNA - أقدم من - DNA - وأن كلاهما يحملان الصفات الوراثية للكائن في شريط طويل جدا في لغة تتكون من 4 حروف مختلفة؛ كل حرف على حِدَه يُسمى نوكليوتيدات «nucleotide». تراكيب هذه الحروف المختلفة تعطي كلمات ذات خصائص مختلفة وكل كلمة يُطلق عليها جينة. أصغر جينة في الإنسان تتكون من 50 حرف وأكبرها يتكون من 2.5 مليون حرف. الحمض النووي للإنسان يتكون تقريبا من 3.3 مليار حرف. للأحماض النووية القدرة على الطباعة والانتقال من خلية أُمّ إلى بناتها. بعض الأحيان يحدث خلل في هذه الطباعة يؤدي إما إلى موت البنات أو تطورها إلى نوع آخر من الخلايا.

بعد هذه المقدمة المقتضبة والتي قد لا تكون كافية، علينا أن نعرف أن الإنسان الحديث، أي نحن، وُجدنا على الأرض قبل 200 ألف سنة فقط، ومقارنة بعمر الأرض والكائنات المختلفة، نحن لا نمثل أكثر من 0.004% وقتا بالنسبة لوجود الكائنات المختلفة، ولو قارّنا أنفسنا بالكائنات البسيطة مثل البكتيريا والطحالب وغيرها التي لا تزال تزاحمنا فإننا نذعن أنها سيدة الموقف من ناحية الحياة، ولولاها أصلا ما حيينا ولا واصلنا حياتنا إطلاقا خصوصا إذا عرفنا أن أكثر من 50% من الأكسجين الذي يتولد على الأرض يُعزى للطحالب والعوالق المائية.

معظم العلماء يوافقون أن الحياة تعتمد على المقدرة على التوالد «replication» والانتقاء الطبيعي «natural selection» الذي ساهم في تطور الكائنات، وهذا التطور في نهاية المطاف أدّى إلى وجود الإنسان. أنا أنقل وجهة نظر العلماء ومن عنده اعتراض على ذلك فليناقشهم في الموضوع. لكن، بداية وتاريخ الحياة بحاجة إلى تفكّر وتدبّر لأن أبسط بكتيريا وجدت تُعتبر أعقد بكثير من أول نوع لجزيء عضوي وجد على وجه الأرض؛ الجزيئات العضوية تعتمد على الكربون في مكوناتها.

الجزيئات العضوية عادة ما تكون متلاصقة وطويلة، ومن ضمنها الحمض النووي الذي يصل طوله إلى 3.3 مليار حرف - جزيء -. للحمض النووي القدرة على الطباعة والتوالد، كما أسلفنا، وهذه هي الطريقة المتبعة لتكوين الجنين في رحم أمه ومن ثم تتجدد الخلايا بالطباعة والتوالد في الكائن الحي. عادة ما ينتج عن الطباعة أخطاء تؤدي إلى موت أو تطور؛ مثلا، الخلايا السراطنية عبارة عن خطأ في الطباعة وليت هذه الخلايا تموت لأن هذا الخطأ يُنتج خلايا سرطانية تتكاثر ومن ثم تهاجم الجسم وتقضي عليه. ولكن بسبب هذه الأخطاء ينتج تطور محمود بعض الأحيان وذلك بمساعدة الانتقاء الطبيعي الذي يحافظ على الجودة عادة. تطور الخلايا التي لا تحتوي على أنوية إلى خلايا ذات أنوية أدى إلى ثورة حيث استطاعت الخلايا أن تحتفظ بنسخة أساسية من الطبعة الرئيسية في نواتها - DNA - بدلا من وجودها متناثرة - RNA - في الخلية، فأصبح - RNA - يأخذ نسخته من - DNA - في كل مرة حتى أصبحت الخلية كالمصنع الدائم للپروتينات. هذا التطور المهم، أي وجود نواة للخلية، ساعد في تكون البكتيريا التي تعتبر اللبنة الأساسية للحياة على الأرض.

نشأة الحياة على الأرض - مقاليقول العلماء إنَّ إيجاد دليل على كيفية تكون الحياة البدائية من المواد العضوية ليس بتلك الصعوبة حيث قام العالم ستانلي مِلَر «Stanley Miller» في جامعة شيكاگو بالولايات المتحدة الأمريكية في بداية الخمسينيات من القرن الفائت بتجربة مشهورة ومهمة وهي أنه قام بدمج الميثان والأمونيا والهيدروجين والماء في كأس مخبري، وهذه المركبات تشابه أجواء الأرض البدائية، وقام بعد ذلك بإدخال شحنة كهربائية ليقلد بذلك البرق. بعد أيام قلائل نتج عن هذه الخلطة صلصال - علينا مراعاة الترجمة في التسمية - بني اللون «goo»، والذي اتّضح أنه حمض أميني والذي يُعدّ اللبنة الأساسية لبناء الپروتينات التي تعتبر عصب الحياة. ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ «14» - الرحمن.

الأستاذ الجامعي بقسم الأحياء في جامعة هارڨرد، أندرو نُلّ «Andrew Knoll» يتساءل عن تنامي عملية التطور من أبسط نوع من المركبات العضوية إلى أعقد نوع من البكتيريا اليوم. كيف ارتقت الحياة من مستنقعات بدائية دافئة مزودة بسكاكر وأحماض إلى تكوين أغشية حافظة للخلايا؟! بطريقة ما، وربما غريبة جدا، لابد لهذه المركبات أنْ تضافرت مع بعضها لتكوّن هذا الغشاء العجيب الذي يحمي الخلية من أمور كثيرة بل وينظم دخول الغذاء وخروج الفضلات منها. لا يزال العلماء والباحثون لا يستطيعون تفسير هذا الأمر وكيفية حدوثه. مليارات السنين التي مضت بين أول خلق بدائي إلى أعقدها اليوم لا يزال أمرا محيرا يتحدى أباطرة العلم الذين يقرّون بعجزهم عن الوصول إلى نتائج وحلول مرضية لمثل هذه الألغاز المراوغة.

فَهْمُ سَيْرِ عمليات الخلايا والتطور ربما يساعدنا في تفسير معاني الحياة على الأرض. يقول الأستاذ نُلّ إن الحياة جزء من نسيج الكوكب، مثل الأرض، ويتغذى على مخرجات الأرض نفسها؛ أي يكون منها وفيها. الغلاف الجوي ومحيط الأرض يختلفان اليوم عما كانا عليه في بداية الحياة. الآن، نسبة الأكسجين أعلى وذلك بسبب وجود البكتيريا والنباتات وكائنات أخرى التي ساهمت في تنقية الجو وسحب سمومه وانتجت أكسجينا بصورة مطّردة خلال الدهور الماضية. إذا كانت تجربة مِلّر سارية المفعول، حينها نستطيع القول إن الأرض خلقت الحياة والحياة غيّرت بدورها الأرض. بنفس الطريقة التي بدأناها ومن خلال ذرات ومركبات كيمائية مشابهة تناثرت في الفضاء وسقطت على كواكب مختلفة فإن قيامَ حياة وحضارات عليها أمرٌ غير مستحيل.

بسم الله الرحمن الرحيم - ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ «8» وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ «9» هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ «10» يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ «11» وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ «12» وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ «13» وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ «14» وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ «15» وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ «16» أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ «17» وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ «18» وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ «19» وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ «20» أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ «21» إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ «22» - صدق الله العلي العظيم - النحل.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
حسين علي
[ USA ]: 30 / 6 / 2015م - 12:57 م
أحسنت على هذا المقال شيق الطرح! اختصرت فيه دراسات سنين عديدة بأسلوب مفهوم وملخص وممتع في نفس الوقت.
تحياتي لك
2
Ali
[ Qatif ]: 6 / 7 / 2015م - 11:18 ص
البروفيسور Michio Kaku هو "لا أدري" أي agnostic كما هو واضح من كلامه. لذلك من غير الدقيق تصنيفه كـ "روحاني" أو كـ "مؤمن".
سيهات - باحث في جامعة كولورادو ببولدر.