آخر تحديث: 29 / 10 / 2020م - 10:21 ص

من أين أتى الماء؟

محمد حسين آل هويدي *

بسم الله الرحمن الرحيم - ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «39» - فصلت.

من أين أتى الماء؟ - مقالالماء هو الحياة، وأينما وُجد في حالته السائلة وجدت معه الحياة. الماء مُركّب كيميائي بسيط وهو عبارة عن جزيء يتكون من ذرتي هيدروجين وذرة أُكسجين «H2O»، وهكذا تريكيبه الكيميائي سواء كان في الحالة الغازية أو السائلة أو الصلبة. يقول علماء الفضاء إن شمسنا صغيرة ولا يمكن لها أن تُكوّن ذرات الأكسجين كما أنها في منتصف حياتها لذلك يتضح لنا جليّا أنّ الأكسجين عُنصرٌ طَارئٌ على المجموعة الشمسية وأنه قادم من الفضاء الخارجي؛ أو بالأصّح، جُزِيء الماء أتى إلى الأرض من خارج المجموعة الشمسية وربما قد أتى من خارج المجّرة.

جميعنا يعرف أن كوكبَنا رَطِبٌ وأن الماءَ موجودٌ على الأرض بحالاته الثلاث؛ 71% من سطح الكرة الأرضية عبارة عن ماء سائل يتجمع أكثره من المحيطات، كما أن هناك جزء بسيط بما يقارب 3.5% يتواجد بين البحيرات والأنهار والجبال الثلجية وبخار يسبح في الهواء. وعلينا أن نعي أيضا أن هناك مياه مالحة وأخرى صالحة للشرب تتكون في طبقات الأرض المختلفة. كما اكتشف العلماء أن الماء متواجد وبوفرة في طبقة الوشاح «mantle» من الأرض، وهي الطبقة التي تتلو القشرة الأرضية. كوكبنا مليء بهذا السائل الضروري للحياة؛ من أين أتى كلُّ هذا الماء؟

من أين أتى الماء؟ - مقاليعتقد العلماء أن ما يقارب 40% من الماء الموجود تكوّن مع الأرض في بدايتها وذلك من خلال وجود كتل ثلجية تدور حول الشمس اندمجت مع الصخور والمعادن والعناصر لتكوّن الأرض، ولكن من أين أتى باقي الماء؟ من أين نزل؟ الأرض تمتلك الأجواء الحاضنة والمحيط المناسب للحياة بسبب وجود الماء في الحالة السائلة، ويُعزى الأمر لكثير من الظروف ومنها كتلة الأرض ووجود البراكين وبُعْدها عن الشمس. الأرض تمتلك الضغط الجوي المناسب ودرجة الحرارة المواتية لإذابة الكتل الثلجية لتبقى على كوكب الأرض؛ بعض الكواكب بقت عليها ثلوج أبدية أو ذابت وتبخرت منها جزيئات الماء للفضاء لعدم وجود الغلاف الجوي الحاضن أو لقلة الجاذبية.

من أين أتى الماء المُتبقّي والذي يفوق الخمسين بالمئة؟ لسنوات عِدّة، اعتقد العلماء أن المذنبات الذي تدور وتجول في المجموعة الشمسية والتي اصطدمت مع الأرض بشكل متواصل في أول مليار سنة من عمر الأرض هي السبب الطبيعي لمثل هذا الماء، ولكن بسبب الدراسات الدقيقة لتحليل أطياف الضوء للمذنبات التي كانت تقترب من الأرض تتوجه البوصلة نحو قطب آخر. قامت وكالة الفضاء الأوروپية بدراسات حديثة من خلال مسبارها روسِتّا «Rosetta»، فوجد العلماء أن بصمة الضوء التي تصدر من ثلوج من أين أتى الماء؟ - مقالالمذنبات توحي أنها تحتوي على نسبة كبيرة من الماء الثقيل، وهو مُخْتَلِفٌ عما يوجد حاليا على الأرض؛ عِلما أن ذرة الهيدروجين للماء الخفيف - مثل الموجود على الأرض - لا يوجد بها أي نيوترونات بينما ذرة هيدروجين الماء الثقيل تحتوي على نيوترونات - إما نيوترون واحد «deuterium» أو نيوترونين «tritium» إضافيين، كما هو موضح في الرسم البياني - وهذا ما يُسمى بالنظائر حيث أن خصائص العنصر الكيميائية لا تتغير بينما تتغير خصائصه الفيزيائية.

إذا لم تكن المذنبات مسؤولة عن زيادة كمية الماء على الأرض، فمن قام بهذا الفضل عليها وعلينا؟ من خلال طريقة حذف الإجابات الخاطئة نتوجه بالنظر إلى النيازك، بالأخص نوع منها ينشأ في الجزء الداخلي للمجموعة الشمسية، أي ما بين عطارد والمريخ، ويسمى هذا النوع من النيازك كوندرايت «chondrite». هذا النوع من النيازك يختزن كميات لا بأس بها من الماء من دون أن تفقده؛ ربما على شكل صلب ملتصق بها أو مائع محتبس بداخلها، وعدم فقد هذه النيازك لهذا الماء يعود لبرودة الشمس نسبيا لأنها صغيرة في الحجم والعمر. ليس كل الجيوفيزيائيين يتفقون على هذه الفرضية وذلك لأن العمل الذي قامت به روستا محدود جدا إذ يقولون إننا بحاجة إلى تجارب وملاحظات أوسع لكي نصل إلى نتيجة أقرب للحقيقة، والتي ربما تغير مفهومنا الحالي في كيفية وصول هذا الماء الزائد إلى الأرض.

في نطاق آخر، يقول علماء الأرض إن كمية الماء الموجودة على سطح الأرض دقيقة جدا وكأنها محسوبة فلو كانت كمية الماء أقل، لما نشأت حياة، ولو كانت أكثر لما وُجدت حياة ذكية على الأرض لأن المخلوقات الذكية بحاجة إلى يابسة والتي يتعذر وجودها مع كثرة المياه.

أنا لست متخصصا في القرآن ولا ادّعي أنني مفسرٌ له ولكن نحن جميعا مأمورون بالتدبر فيه، وأودّ أن أختم هذا الموضوع ببعض آياتٍ من الذكر الحكيم والتي آمل أن يتمعّن بها المتخصّصون ويتدبّر بها العامة لعلّنا نلتمس إشارات الخالق العظيم لفهم جزء يسير من العلم القليل الذي أُتيح لنا:

﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ «17» - الرعد.

﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ «21»- الحجر.

﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ «18» - المؤمنون.

﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ «11» - الزخرف.

﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ «49» - القمر.

1. Popular Science, “100 MYSTERIES OF SCIENCE EXPLAINED”, Special Edition, 2015.
سيهات - باحث في جامعة كولورادو ببولدر.