آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 10:17 ص

نقد المنبر الحسيني

محمد حسين آل هويدي *

بسم الله الرحمن الرحيم ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ «9» - الزمر.

عندما كنتُ صغيرا وفي أحد ليالي شهر رمضان المبارك، وفي حادثة لا أنساها ما حييت، أخذني أبي «يرحمه الله» إلى مجلس في ديرة سيهات وكان القارئ خطيبا معروفا ولكن كان أغلب الحضور من البسطاء والمساكين؛ أحدهم وقف في وسط القراءة وقال: ”احنا جايين نصيح على الحسين وأنت تقول كلام ما نفهمه“. الخطيب كان عصبي المزاج نوعا ما فرد: ”إذا لم تخرجوا هذا الشخص من المجلس فلن أواصل القراءة“.

الناس مستويات وكذلك الخطباء والطيور على أشكالها تقع. الخطاب الحسيني ينقسم إلى أربعة تقريبا:

1. مدح «5%» - حفظ كم بيت يتم ترديدها.

2. قراءة «70%» - أكثر حفظا من الأول مع إجادة النعي.

3. خطابة «20%» - ربط بين الأمور؛ تاريخ ونعي.

4. بحث «5%» - طرح بحوث مختلفة.

الناس اختلفت مستوياتهم وزاد وعيهم، والمطلوب هو الزيادة من القسمين الثالث والرابع، لكي يرتقي هذا المنبر النيّر. كذلك، نسبة النقد زادت، والنقد الإيجابي مطلوب طبعا، لكن النقد الحقيقي يخاطب الفكرة وليس الشخص ذاته؛ حينها تتصاعد موضوعية النقد وتقل فيها الحساسيات الشخصية. يقول سماحة الشيخ فوزي السيف، وله كل الاحترام والتقدير في هذا الرأي، إن التنوع الخطابي الحسيني مطلوب، ونحن نتفق معه في هذه الجزئية، ولكن نطالب بتغيير النسب.

اختصارا للوقت، اسمحوا لنا أن نقفز مباشرة للقسم الرابع، وهو تقديم البحث للمستمع، ومن القطيف يبرز في هذا المضمار ثلاثة، جعلهم الله ذخرا لنا جميعا: سماحة العلامة السيد منير الخباز، الدكتور الشيخ فيصل العوامي، وسماحة الشيخ فوزي السيف؛ كل منهم يقوم بطرح مختلف نتيجة لأبحاث في جزئيات مختلفة، وشخصيا أرى أن دورهم تكاملي. لكن هؤلاء الثلاثة «بالخصوص سماحة السيد منير» أكثر من يتعرض للنقد من شريحة المثقفين «قلة» أو مدعي الثقافة «كثرة»؛ ولمعرفة المثقف من المدعي علينا أن نرى أين يوجه نقده؛ للخطاب أو للشخص.

القامات المذكورة آنفا باحثون، والباحث يعرف كيف يطرح الباحثون أفكارهم، ولهم باع طويل في المجال البحثي. هل هم معصومون؟ كلا. هل يخطئون؟ ربما. هل هم فوق النقد؟ نعم، لأنهم أشخاص محترمون وأصحاب بصمات لا تمحى، ولكن هل قولهم فوق النقد؟ بالطبع، كلا. من الممكن أن نناقش هؤلاء الأشخاص وجها لوجه في نظرياتهم أو نتائج بحثهم، وقد فعلتُ مسبقا مع هؤلاء الثلاثة وصدروهم رحبة لمثل هذا النقد، وأكثرهم يؤكد أنهم يرحبون بالنقد البناء ويتعلمون منه، وتقبل النقد نابع من علم وحلم وثقة.

من تعرض للبحث الأكاديمي، يعلم أن البحث يشمل الأفكار والأشخاص بينما يقتصر النقد على الفكرة، ولا يمكن للباحث أن ينال شهاداته إلا إذا كان موضوعيا بهذا الخصوص. البحث عبارة عن دراسة التاريخ الماضي وربطه بالحاضر واستقراء المستقبل والاتيان بنتائج جديدة لا يشترط فيها الصحة التامة؛ مثلا، بالرغم من نجاح النظريتين النسبية والكمية بنسبة كبيرة لما هو في الكون إلا أنهما تفشلان أحيانا في بعض المواقع، مثل الثقوب السوداء. العلماء يعرفون هذا الشيء، ولذلك يبحثون عن نظرية شاملة وموحدة وتحل مثل هذه التساؤلات المبنية على خلفية علمية، لذلك طُرحت نظرية الأوتار كجامع للاثنين. الذين طرحوا نظرية الأوتار لم يتعرضوا لألبرت آينشتاين أو نيلز بور بسوء في هذا الخصوص، ولكنهم يثنون عليهما ويقدرون ما توصولا إليه وجعلوا من عطائهما لبنة أساسية للارتقاء. هذا هو ديدن العلماء والباحثين الحقيقيين، وهو تطوير الأفكار وليس الانتقاص من الأشخاص.

طبعا، مُحرّم على الأبواب، وستعود الجلبة، ولكن ما يتمخض عنه الحديث وبعد ركود الغبرة هو معرفة المثقف من المدّعي كما نعرف المدّاح من القارئ والخطيب والباحث. دمتم بخير وزادنا الله وإياكم وعيا يرقى بالمستوى العام، بدلا من تراشق يخرب بيوتنا ويزعزع ثبات المجتمع.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
عبدالله محمد
[ صفوى ]: 15 / 9 / 2015م - 4:55 م
الخطاب أو البحث الديني الذي ينفصل عن هموم الناس المعيشية والاجتماعية ويركز ابحاثه على ابحاث فقية مكانها الطبيعي هو الحوزة، هو خطاب متعالي بلا جدال.
سيهات - باحث في جامعة كولورادو ببولدر.