آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 3:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

الرافعة.. الكارثة

محمد أحمد التاروتي *

لم يكن يوم امس الجمعة كغيره من ايام الجمع التي تمرعلى البيت العتيق، فقد احالت الرافعة الصماء اجساد ضيوف الرحمن الى اشلاء صغيرة وغطت الدماء موقع الحدث، فالمناظر الذي تناقلتها وسائل الاعلام خلال الساعات الماضية فضيعة للغاية، فالمرء في مثل هذه الحوادث لا يملك سوى الدعوة للضحايا بالرحمة الواسعة لضيوف الخالق الذين سقطوا بين يديه في الشهر الحرام، والابتهال الى الله بتعجيل الشفاء للمصابين، فالمجزرة الكبيرة احدثتها الرافعة، خلفت وفاة وإصابة 249 شخصا.

العناية الالهية منعت وقوع كارثة كبرى، فالسقوط المدوي للرافعة لم يتزامن مع اداء صلاة الجمعة واحتشاد مئات الالوف من المصلين والحجاج لاداء الفريضة، كما ان الحادثة لم تتزامن مع ذروة انطلاقة الحج الحقيقية، حيث يفترش الحجاج جميع الطرقات والشوارع، وبالتالي فان سقوط الرافعة قبل الغروب قلل من عدد الضحايا، وبالتالي فان العناية الالهية حالت دون ارتفاع العدد كثيرا.

ان توجيه الاتهامات واطلاق الاحكام في تحميل مسؤولية كارثة البيت الحرام امر سابق لاوانه، فالجهات المختصة تعمل حاليا على اجراء التحقيقات اللازمة للوقوف على الاسباب الحقيقية المؤدية لسقوط الرافعة على رؤوس مئات الحجاج، اذ ستأخذ تلك الجهات جميع الاحتمالات في الاعتبار، خصوصا وان الاجواء المناخية في مكة المكرمة كانت سيئة للغاية، بحيث شهدت هبوب رياح قوية وامطار غزيرة، وبالتالي فان الجميع ينتظر التقرير التحقيقات النهائية للوقوف على الاسباب الحقيقية وراء الكارثة التي عاشتها المملكة خلال الساعات الماضية.

عملية منع تكرار مثل هذه الحوادث يتطلب اتخاذ اجراءات صارمة، فالشركات المنفذة للمشاريع التنموية تستخدم الرافعات الكبيرة في عملية انجاز العمل، مما يستدعي وضع ضوابط صارمة تحول دون وقوع كوارث مستقبلية، فالرقابة على نوعية الرافعات المستخدمة وكذلك طريقة نصبها وعملية التشغيل والمواصفات المطلوبة كلها عوامل اساسية في الحد من وقوع ضحايا جدد.

الاستفادة من الدرس الدامي الذي وقع في مكة المكرمة امر مطلوب، فالكارثة بمثابة جرس انذار يتطلب الوقوف على تفاصيله مليا للخروج بعبر ودروس للمرحلة القادمة، فالمرور على الكارثة مرور الكرام دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة لرفع مستوى السلامة لا يقل خطورة من الكارثة نفسها، فالجميع يتطلع من صاحب القرار وضع الامور في نصابها بما ينسجم مع المرحلة المستقبلية، فعملية تسريع المشاريع التنموية لا تكون على حساب حياة الانسان، فهو خليفة الله في الارض مما يستوجب وضع الاشتراطات التي تحمي حياته من الخطر.

الرافعة الحديدية التي سقطت على الاجساد وتركت وراءها الكثير من الدماء والاصابات البليغة على اطهر بقعة في الكرة الارضية، ليست سوى ادارة جامدة لا تملك من نفسها حولا ولا قوة، فهي لا تتحمل مسؤولية ما ارتكبته، فهي اداة طيعة تقع تحت مسؤولية مشغلها ومالكها، وبالتالي فان الاعين ستبقى شاخصة باتجاه الطرف المسؤول للتعرف على الخطأ القاتل الذي اودى بحياة العديد من ضيوف الرحمن في بيته المكرم.

كاتب صحفي