آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 12:42 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الولاء للوطن

محمد أحمد التاروتي *

العشق للوطن بذرة تزرع في اللاشعور لدى الانسان تجاه الارض التي احتضنته وسقته منذ نعومة اظفاره، فالشعور بالحب الكبيرللوطن يترعرع وينمو بحيث يختلط بالدماء التي تجري في العروق.

الوطن كلمة لا تتجاوز عدد حروفها «5» بيد ان دلالاتها ومعانيها تتجاوز هذه الحروف لتخترق الحجب، بحيث يصعب وصفها في مجموعة كلمات او بعض الاعمال التي سرعان ما تختفي في غضون ايام قليلة، فالانسان مجبول بطبعه على الحنين للارض التي اكل منها واستظل تحت سمائها، مما يدفعه لتقديم النفس الغالية في سبيل الدفاع عنها عند تعرضها للاعتداء.

عملية الولاء للوطن لا تحتاج على صكوك وشهادات توزع يمنة ويسرى، فالمرء يبرهن على مدى عشقه للوطن عبر الممارسات والافعال وليس عبر الكلمات المعسولة والخطب الرنانة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فعند الامتحان يكرم والمرء او يهان، حيث تبرز مصداقية الولاء في الازمات وليس في اوقات الرخاء، فالجميع في اوقات الرخاء يتسابق في تقديم فروض الطاعة والولاء، بينما لا يثبت في الازمات والشدة سوى القلة القليلة.

الاوطان لا تقوم على توزيع شهادات الولاء بل ما تعتمد على رجالها دون تفريق او تمييز، فالوطن يحتضن الجميع وباستطاعته استيعاب جميع الشرائح الاجتماعية دون خطوط حمراء او صفراء او بيضاء، والمواطن في الوطن محترم بعيدا عن انتماءاته السياسية والفكرية، فالاختلاف سنة من سنن الحياة، التي جبلت البشرية عليها منذ القدم، اذ يصعب ايجاد شرائح اجتماعية تعيش في بيئة واحدة بدون اختلافات فكرية وسياسية ودينية.

حب الوطن من الايمان كما يقول الحديث، بمعنى اخر فان عملية تكريس العشق والولاء للارض التي يعيش عليها الانسان ليست عملا يتنافى مع المبادئ الدينية على الاطلاق، فالدين يحض على زرع بذور الحب والعشق للوطن، باعتبارها وقودا معنويا كبيرا يعزز الاحتفاظ بعمارة الارض والسير قدما في عملية تدعيم قواعد التمدن والتحضر، لذا فقد حرم الاسلام التعرب وشجع على الاستيطان في الحواضر المدنية في سبيل خلق مجتمعات تعتمد الاسس المدنية بعيدا عن البداوة وعمليات الغزو والقتل وغيرها من الاعمال الجاهلية التي كانت سائدة قبل بزوغ شمس الاسلام على يد منقذ البشرية ورسول الانسانية محمد صلى الله علية واله.

عملية تحديد الولاءات للوطن ليست عملة تباع وتشترى، فهي احساس داخلي يمتلك المرء بشكل مستمر، بمعنى اخر فان اظهار الحب والعشق للوطن ليس مقرونا لساعات قلائل او ايام معدودة، وانما ممارسات حياتيه عبر التحرك الجاد لرفع راية الوطن في المحافل الدولية وحفر اسم الوطن في جدار التاريخ، فالوطن برجالاته وليس بمجموعة من الشعارات والكلمات التي يطلقها البعض سواء بصدق او تزلفا في سبيل تحقيق مكاسب وقتية.

كاتب صحفي