آخر تحديث: 7 / 8 / 2020م - 12:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المسافر الدلّوع

محمد معتوق الحسين *

في إحدى رحلاتي مسافراً بالطائرة من جدة إلى الدمام، أثار اهتمامي رجلٌ جلس على المقعد المجاور. ما شدّ انتباهي لم يكن ثوبه الراقي ولا غترته المكوية بعناية، ولا حتّى رائحة عطره الفوّاحة. ما شدّ انتباهي كان اهتمامه الشديد ب «تعقيم» طاولة الطعام القابلة للثني المخصصة له. فبعد إقلاع الطائرة وقبل توزيع الطعام، أخرج صاحبي مناديل تعقيم وبدأ يمسح كل زاوية على الطاولة بعناية شديدة جعلتني أجزم أن هذه الطاولة لم تُنظّف بهذا القدر منذ تركيبها في مصانع «بوينج» للطائرات في سياتل!

أعترف أنني تندّرت سرّاً على ذلك المسافر لفرط حرصه على النظافة، وحسبت أنني ابتليت بمجاورة أحد ضحايا رهاب القذارة «germophobia»، وأنه بعد قليل سيشمئز من منظري حين آكل شطيرة الجبن بدون قفازات طبية، والعياذ بالله!

بعد هذه الحادثة بأشهر، شاهدت تقريراً إخبارياً مدهشاً. تحدث التقرير عن دراسة أجراها علماء متخصصون في الأحياء الدقيقة، تابعون لموقع travelmath. com. هدفت الدراسة إلى معرفة أكثر الأماكن تلوّثاً في المطارات والطائرات. واستخدموا وحدة قياس تلوث اسمها «CFU» بحيث كلما زادت وحدات التلوث على سطحٍ ما، عنى ذلك أنه أشد تلوّثاً. فعلى سبيل المثال، حجم التلوث على الأموال الورقية هو 5 وحدات، وعلى الهاتف الجوال 27 وحدة، وفي الحمام 170 وحدة.

ولكن ماذا عن التلوث في الطائرات؟ نتيجة الدراسة كانت صادمة! فمثلاً وجد العلماء على المشبك المعدني لحزام المقعد 230 وحدة تلوث، وعلى فتحات التكييف التي يوجّهها المسافر 285 وحدة. وبلا منازع، وجدوا أن أكثر الأماكن تلوثاً في الطائرة هو «طاولة الطعام» ب 2155 وحدة تلوث!!! فلا عجب أن الكثير من المسافرين يمرضون بعد سفرهم بالطائرات.

إذاً صاحبي لم يكن مسافراً «دلّوعاً» مهووساً بالنظافة كما ظننت، بل كان مثقفاً صحيّاً أكثر مني. فقد كان يعلم أنه بلمسه لهذه الطاولة القذرة، أو تناوله لقطعة طعام لامست سطحها، فإنه يعرض نفسه لعدد كبير من الجراثيم. ربما كان يجدر به هو أن يسخر من جهلي حين رآني أضع كتابي وأوراقي على هذه الطاولة، وحين كنت ألمسها غير عالمٍ باتساخها.

كثيرة هي الأمور التي نسخر منها ونستخف بها لجهلنا، لنكتشف فيما بعد أن ما ظنناه حماقةً كان هو عين الحكمة، وأن ثقتنا المفرطة لم تكن إلا وهم وجهل. يبدو أن هذه الحياة تحتاج إلى بعض التواضع حتى نفهمها، فنحن لا نعرف كل شيء.

ربما علينا أن نتعلم من الأطفال. فالطفل إذا رأى أمراً لم يفهمه، تساءل عنه بكل براءة وتواضع، دون أن يدعي أنه يعرف كنْهَ كلِّ شيء. لو كانت ابنتي ذات الخمس سنوات معي في تلك الرحلة لسألت الرجل ببساطة ”لماذا تنظف الطاولة؟“

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
تائه بلا عنوان
[ المريخ ]: 1 / 10 / 2015م - 12:08 ص
أحسنتم ..
2
هاشم
[ القطيف ]: 1 / 10 / 2015م - 4:07 ص
بارك الله فيك استاذ محمد
وعيتنا لأمور كنا نجهلها