آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 12:42 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المثقف.. متاهة الادوار

محمد أحمد التاروتي *

غياب البوصلة لدى المثقف العربي تجعله يتقمص ادوارا لا تتناسب مع دوره الاجتماعي، مما يجعله ضائعا وسط دوامة الحياة في القدرة على وضع نفسه في المكان المناسب، بمعنى اخر فان صعود المسرح دون القدرة تقمص شخصيته في المسرحية يشكل مخاطرة كبرى، خصوصا وان المجتمع ينظر للمثقف باعتباره ”رسولا“ لتحريك المياه الراكد، وبالتالي فان فشله في اداء دوره المطلوب يمثل كارثة كبرى تجعله غير قادر على النهوض مجددا.

المنطقة الحرجة التي يقف فيها المثقف العربي تجعله يحاذر من الوقوع، فالدور الاجتماعي يفرض عليه انتهاج مسار يدعم عملية النهوض الثقافي في المجتمع ومن جانب اخر فان الالغام التي تقف امامه سواء الالغام الاجتماعية السائدة او الالغام السياسية المحظورة.. تلك الالغام تدفعه لوضع مسار محفوف بالمخاطر في مسيرة حياته بمختلف الملفات التي تتطلب معالجة.

قيام المثقف بدور ”الملهم“ وصاحب المعجزات وكذلك محاولة الاصطدام مع المجتمع، يمكن ان تمثل انطلاقة قوية للبعض في حال استطاع توظيفها بالشكل المطلوب، بحيث تصب في النهاية بمسيرة النهوض الثقافي في المجتمع، بينما تمثل كارثة كبرى وطامة اجتماعية في حال اتخذت مسار المعارضة والدخول في منطقة الالغام الدينية والاجتماعية، فهناك الكثير من التجارب التي اعطت نتائج سلبية شكلت صدمة للمثقف ذاته، مما جعله يفضل الانكفاء على الذات والاستسلام بعد فشله في احداث الصدمة الثقافية المطلوبة في جدار الوعي الاجتماعي السائد.

عملية فرض الذات على الاخرين عبر اطلاق مبادرات سطحية او محاولة البروز على حساب بعض المبادئ السائدة.. هذه العملية ممجوجة وليست مطلوبة، فالمثقف غير الواعي او المتسلق يكون كارثة اجتماعية وقنبلة قاتلة سواء بالنسبة للسائد الاجتماعي او التموجات الثقافية القائمة على اسس ثابتة، فعملية التغيير لا تعني نسف كافة السائد الاجتماعي وانما تكون عبر تشذيب بعض الشوائب وابقاء الشجرة قائمة لمواصلة العطاء، بمعنى اخر فان تحول المثقف من مشذب الى مقتلع للسائد الاجتماعي يشكل معضلة كبرى، فالمثقف يمثل بارقة امل ومصباح يفتح الطريق امام المجتمع عبر اشعال شمعة قادرة على الاستمرار خلال السنوات القادمة.

الصيحات التي يطلقها بعض المثقفين في بعض المواسم الاجتماعي ومحاولة تمليع الصورة عبر نصائح مترجلة او غير مدروسة ستلقى ردود افعال سلبية في نهاية المطاف، فالمثقف لا يفترض منه وضع نفسه حكما وقاضيا وخصما في الوقت نفسه، فهو بما يمتلكه من رؤية يستطيع وضع تصور مبدئي لمعالجة بعض الظواهر الاجتماعية، مما يشكل بداية طريق نحو ازالة تلك العراقيل الاجتماعية، بمعنى اخر فان المثقف مطالب بوضع خارطة طريق للقضايا الثقافية والاجتماعية عوضا من محاولة فرضها على الواقع الاجتماعي عبر التوجيه المباشر انطلاقا من المبدأ القراني الخالد ”تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله“

لاحظنا في الفترة الاخيرة اصوات ”مثقفة“ تمارس دورا يتجاوز حجمها الاجتماعي، مما يعطي دلالة على ضياع البوصلة لهذه الاصوات، فبدلا من توجيهها بالشكل المطلوب، بدأت تتجه لممارسة ادوارا يصعب عليها تقمصها مهما سعت لتحقيقها، فالادوات المطلوبة لامتلاك تلك الادوار غير متوافرة لديها على الاطلاق، بمعنى فان عليها ان تتجه نحو ممارسة ادوارا تتناسب مع الوسط الثقافي الذي تمتلكه لتكون قادرة على التأثير.

كاتب صحفي