آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 5:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

انتفاضة الغضب

محمد أحمد التاروتي *

شكل يوم الغضب الفلسطيني يوم امس الاول «الجمعة» زلزالا تحت اقدام جيش الاحتلال الاسرائيلي، فقد خرج عشرات الالاف من الشباب الفلسطيني الغاضب ليعلن صرخته المدوية تجاه الانتهاكات المستمرة منذ 60 عاما، الامرالذي ساهم في سقوط عدد من الشهداء برصاص جنود الاحتلال فضلا عن اعداد من الجرحى.

المفارقة في موجة الغضب الفلسطينية الجديدة تكمن في تصدر الشباب الواجهة فيما غابت المنظمات الفلسطينية وكذلك الاسماء اللامعة، الامر الذي يؤسس لمرحلة جديدة ستفضي لبروز قيادات جديدة تتخذ من مسار المواجهة المباشرة مع الاحتلال شرعية في المقاومة بهدف استرداد الحقوق المسلوبة، خصوصا وان اوسلو وغيرها من جولات المفاوضات على مدى 30 سنة الماضية لم تفض الى نتائج ملموسة بقدر ما ساهمت في تكريس الاحتلال واستمراره في قضم المزيد من الاراضي المحتلة والتوسع في بناء المستوطنات لاحداث تغييرات سكانية على حساب الشعب الفلسطيني.

حكومة نتنياهو وجدت نفسها غارقة في مواجهات اجتاحت العديد من المدن المحتلة فضلا عن مدينة القدس، الامر الذي دفعها لممارسة شتى اساليب القمع واستخدام الرصاص الحي بهدف اسكات الصوت الثائر من حناجر الشباب الفلسطيني، بيد ان تلك الاجراءات القمعية ساهمت في اشعال نيران الغضب لدى الشعب الفلسطيني، الامر الذي تمثل في استمرار موجة المظاهرات وعودة سلاح ”الحجر“ للواجهة مجددا بعد اختفاءه لعدة سنوات على خلفية مفاوضات السلام التي استهلكت الوقت ولم تقدم تنازلات تذكر من الكيان المحتل.

تدنيس المسجد الاقصى من قبل قطعان المستوطنين مثل الشرارة التي اطلقت العنان مجددا لاشعال الارض تحت اقدام الاحتلال، مما يمهد لانطلاقة انتفاضة ثالثة ستكون اكثر احراجا لحكومة نتنياهو، مما يدفعها لتقديم المزيد من التنازلات التي ناورت خلال السنوات الماضية في سبيل التملص منها، بيد ان الدماء التي سقطت على مذبح حماية المسجد الاقصى على مدى الايام الماضية ستمهد الطريق امام الحصول على التنازلات السياسية التي لهثت السلطة الفلسطينية على مدى الاعوام الماضية من المفاوضات المضنية في الحصول عليها.

جيل الغضب الفلسطيني الحالي ولد تحت سقف ”اوسلو“ بيد انه لم يتلمس جنتها بقدر ما اكتوى بنيرانها، فالاحتلال الاسرائيلي ما يزال يمارس سطوته على الشعب الفلسطيني ويتمدد افقيا وعموديا في اقتطاع المزيد من الاراضي، مما بهدف تكريس واقع جغرافي جديد يحرم الشعب الفلسطيني من اعلان استقلاله واقامة دولت المستقلة وفقا للقرارات الدولية على اراضي 67.

تعويل اسرائيل على جيل المفاوضات في قتل القضية الفلسطينية لم يكن موفقا، فالغضب الحالي يقوده جيل الشباب الذي ولد تحت مظلة المفاوضات الطويلة، وبالتالي فان قضية تشريد الشعب واحتلال ارضه لا تموت مهما تقادم العمر، فصاحب الحق يصر على المطالبة والتضحية بالنفس في سبيل استرداد حقه من المغتصب، بمعنى اخر فان الهبة الشعبية الحالية احدثت صدمة كبرى لدى الدوائر السياسية ومراكز القرار في تل ابيب التي كانت تراهن على الجيل الشاب في فرض واقع يكرس الاحتلال وذلك بعد انتهاء الدور السياسي لجيل النضال الحالي سواء بالاغتيال او الموت.

كاتب صحفي