آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 3:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

العنف المدرسي

يمثل العنف المدرسي ظاهرة مزمنة في مختلف المراحل الدراسية، بيد انها تبرز بشكل واضح مع دخول الطلبة في سن المراهقة «المتوسطة - الثانوية» مما يرفع وتيرتها بشكل لافت، فالطالب عندما يشعر بنوع من الاستقلالية والقدرة على المواجهة يسعى لفرض نفسه على الاخرين عبر ممارسة العنف داخل الفصول الدراسية واحيانا كثيرة خارج اسوار المدرسة.

عملية العنف مرتبطة بعوامل نفسية واجتماعية في الغالب، فالشعور بالقوة يشكل عنصرا اساسيا في تزايد ظاهرة العنف المدرسي، حيث يلجأ القوي لفرض سيطرته على الطلبة الضعاف عن طريق استخدام القهر الجسدي، مما يعطيه احساسا بالنشوة، بالاضافة لذلك فان الوضع الاجتماعي للطالب يدفعه لممارسة العنف تجاه الاخرين، سواء بدافع الحسد او الانتقام، فالفقير الذي يمتلك القوة البدنية يسعى لسد الشعور بالنقص عبر ممارسة العنف تجاه اصحاب الدخل المرتفع، فيما يشكل تدني المستوى الدراسي عاملا في انتهاج الضرب لتعويض هذه الحالة، فالطالب المتخلف دراسيا يحاول الانتقام من الطلبة المتفوقين عبر القهر والضرب.

السيطرة على العنف المدرسي تبقى غير ممكنة في الغالب، فعلى الرغم من الدراسات الكثيرة على مدى العقود الماضية، فما زالت الظاهرة قائمة ومتجذرة في مختلف المجتمعات، اذ لا يقتصر حضورها على الشعوب المتخلفة او النامية بل منتشرة كذلك في المجتمعات المتحضرة ”الاوروبية“ مما يعني ان الطبيعية البشرية تشكل احد المحركات الاساسية وراء استمرار العنف المدرسي في البيئة التعليمية، وبالتالي فان القضاء على تلك الظاهرة امر مستبعد، بيد ان امكانية الحد من تناميها بين الطلبة امر ممكن، فالجهات المشرفة على التعليم باستطاعتها تطوير البرامج القادرة على امتصاص الطاقة الزائدة لدى الطلبة خلال مرحلة المراهقة عبر توجهها نحو برامج اخرى سواء رياضية او محاولة تفريغ الشحنات في انشطة تنمي المواهب لدى الطلبة.

التحرك الجاد لخفض معدلات العنف المدرسي داخل البيئة التعليمية امر مطلوب، فدراسة الظاهرة بشكل ميداني يسهم في الحصول على الكثير من الاجابات المتعلقة بالاسباب الكامنة وراء اللجوء لممارسة العنف، لاسيما وان المعالجة تبدأ «بداية» بالاعتراف بالمشكلة والاقرار بوجودها، فالانكار يمثل مشكلة بذاتها، بمعنى اخر فان الجهات البحثية مطالبة بالتقرب من العينات عن قرب للوقوف على الحالة الاجتماعية والبيئة الاسرية والاصدقاء وغيرها من العوامل المساعدة، من اجل وضع الامور في نصابها وعدم استنساخ الحلول من البيئات الاجتماعية الخارجية، خصوصا وان المجتمعات البشرية ليست على قدم المساواة، مما يستدعي مراعاة الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية لمختلف العينات الممارسة للعنف، من اجل الحصول على الاجابات المناسبة، وبالتالي القدرة على خفض مستوى العنف المدرسي في نهاية المطاف.

البيئة الاسرية تمثل مفتاحا اساسيا في القدرة على ضبط مستوى العنف لدى الابناء داخل البيئة المدرسية، بيد انها ليست قادرة بمفردها على معالجة مشكلة متشابكة ومتعددة الاطراف، مما يفرض على مختلف الاطراف التعاون في وضع خارطة طريق باتجاه ضبط ايقاع العنف المدرسي في الحاضنة المدرسية، بما يحقق الهدف الاسمي وهو تقليص الممارسات العنفية لدى الطلبة، خصوصا وان تراجع مستوى العنف ينعكس بصورة مباشرة على النهوض بالمستوى التعليمي وبالتالي الحصول على مخرجات تعليمية تمتلك جميع الادوات اللازمة لمواجهة المستقبل بارادة واصرار لمواكبة التطور وتجاوز التحديات على اختلافها.

كاتب صحفي