آخر تحديث: 30 / 10 / 2020م - 12:39 ص

نتعاطف مع هذه الرسالة ولكننا نرفض التعميم والشماتة..!!

أحمد علي الشمر *

رسالة موجعة وقاسية لعامل هندي أرفقها بصورة من بطاقته الشخصية، قام بتوزيعها على قنوات التواصل، الرسالة تضج بالأنين والألم، يبين فيها إنه إنسان جاء من خارج الوطن للبحث عن لقمة العيش، لكن راعه فظاعة ما وجده من سوء المعاملة وقساوة السلوك غير الآدمي الذى لحق به، كما يبين في رسالته أيضا، بأن جميع أقرانه ورفاقه ممن وجدوا أنفسهم في تلك الدائرة المعتمة، قد نالهم وطالهم سوء نفس المعاملة في هذه المظلومية، التي تلونت بشتى أشكال وألوان الظلم والحيف والجور الذي لحق بهم، بما في ذلك التعدي عليهم على أيدي من أتى بهم إلى هذه البلاد كما يقول، لكن المثير في هذه الرسالة هو قوله «ذقت أنا وأبناء جلدتي أنواع البؤس والذل والامتهان في بلادكم المدعية للإسلام، احتملنا الصفع والاهانة والبصق والضرب وعدم الاحترام، ليس سوى أن بلادنا فقيرة من موارد الغنى، فأتينا نستطعم في بلادكم ليعيش أهلنا هناك، انسلختم من أخلاق الانسان، وانحسرت منكم صفات القرآن، فقط لأنكم أغنياء بطرت معيشتكم فرأيتم مَن دونكم عبيدا لكم «ولتسألن يومئذٍ عن النعيم، ويستطرد قائلا.. ها هي الايام تدور وعقارب الساعة ماضية في لدغكم، وعلاماتها واضحة لنا ولكم!»

انظروا لرواتبكم كيف بخست، فلا تكفيكم، انظروا لمساكنكم ضاقت بأطفالكم انظروا لصحرائكم عارية تتعذركم!

انظروا لأسماككم وُئدت في بطون بحاركم، انظروا لنسائكم تتكسب لعيالكم، بعدما كنّ مقصورات في بيوتكم، انظروا لأخلاقكم مع بعضكم كيف قسيت بها قلوبكم، وكثرت جرائمكم في حقكم، وانحسر الامان من شوارعكم، وها أنتم في حرب مع جيرانكم، ثم ترجون أن تستغنوا!

فاستعدوا للفقر.. واستعدوا للذل.. واستعدوا للهوان.. وسيأتي يوم يتشرد أبناءكم، ويتغرب أحفادكم، يضربون في الارض للبحث عن أكلةٍ تشبع جوعتهم، وشربة تطفئ ظمأهم، وربما هربوا طلبا لمسكن يحتويهم، عندها توفى الديون وتخجل العيون، وماربك بظلام للعبيد!

تلك تبدو صرخة مؤلمة موجعة وقاسية فيما تضمنته وعبرت عنه الرسالة، وعما لقيه صاحبها ورفاقه كما يقول من معاناة قاسية، على أيدي مواطنينا..!!

وهوما دعاه لأن يوجه هذه الرسالة شديدة اللهجة، والتي تسربت عبر الكثير من قنوت التواصل، بما احتوته من عبارات الوجع والقسوة..!!

هذا ورغم أنني أشاطر صاحب الرسالة الألم وأتعاطف معه في الإحساس بمشاعره المؤلمة بعمق فداحة قضيته ووضعها المأساوي بالشكل الذى أشار إليه ومما حل به من ظلم وذل ومهانة وحيف لحق به وبأقرانه كما يذكر، وبغض النظر أيضا عما إذا كانت روايته صادقة أم لا، إلا أنني في الوقت نفسه ومن جانب آخر أيضا استنكر بأشد عبارات الاستنكار، كما وأرفض رفضا قاطعا صيغة تعميمه في توجيه هذه الإدانة الجماعية بصورة عامة لكافة أفراد المجتمع بدون استثناء، فهو لم يخصص مثلا أحدا أوجهه من لجهات، أو فئة معينة من الفئات بعينها، يمكن له بأن يخصها بهذا الاتهام، ولكنه للأسف كما هو واضح قد وجه وساق اتهامه وإدانته عن تعمد وسبق إصرار، على إتهام وإدانة جميع أقطاب وفئات المجتمع بأكمله في هذه البلاد بشكل عام دون استثناء، وهذا في الواقع هو السبب الرئيسي لطرحي لهذا الموضوع..!!

ولاشك بأنه من غير المعقول ولا المقبول، بأن يقوم كائن ما كان بتوجيه إتهام بهذه البشاعة ويشمل توزيع اتهامه وإدانته للمجتمع بأكمله دون تمييز أو تفريق بين أحد منهم، بل ساواهم جميعا في سلة واحدة، فلم يميز ولم يفرق بينما هو إنسان منصف وعادل وبينما هو إنسان ظالم ومجحف..؟!!

وعليه فإننا وإن كنا قد نوافقه على وجود بعض الأخطاء الصادرة من بعض الفئات، التي فقدت إيمانها وضميرها وتجردت من قيم الدين والأخلاق والإنسانية، في تعاملها وسلوكها المشين مع بعض العمالة الوافدة، بتلك الطرق الاستغلالية المهينة المذلة، للابتزاز وسرقة حقوق وأتعاب تلك العمالة، بهذه الوسائل التي تتنافى مع كل الأنظمة والأعراف والقوانين المحلية والدولية والتشريعية المنظمة لحقوق الإنسان، أقول إن كنا نتعاطف معه في وجود بعض من تك الحالات أو الفئات في المجتمع، لكننا بأي حال من الأحوال، نرفض رفضا قاطعا ولا نقبل منه صفته في التعميم الجماعي، وبالتالي نرفض كذلك تشظيه وشماتته بما وصفه بأن الجميع سيدفع الثمن، فقرا وذلا ومهانة، وإشارته إلى أن بوادر المصائب والنكبات، قد بدأت تنهال وتحل علينا، متجسدة في مظاهر كثيرة، فعقارب الساعة قد بدأت في الدوران علينا كما يقول، كناية على الانتقام الذى حله الله بنا، لما جنيناه بحقه وبحق رفاقه الذين لاقوا أشد ألوان الضيم والظلم والحيف، الذى لحق بهم جراء نكايتنا وأفعالنا المشينة بهم بحسب زعمه..!!

وفى هذا الجانب يمكننا بأن نقول له هنا.. نعم سيدي نعترف بأن هناك الكثير من التحولات الكبيرة التي حدثت في السنوات الأخيرة في هذا الجانب وطالت معظم فئات مجتمعنا، وما طرأ خلال ذلك من تغييرات وتأثيرات على منظومة القيم العامة والشاملة التي مست هذا المجتمع ولا ننكر ذلك، وبالتالي ما حدث أيضا نتيجة لهذه المتغيرات، من انحسار واندثار واضح، لكثير من الظواهر والمظاهر الاجتماعية والاقتصادية العامة، التي كانت تزخر بها حياتنا، وعاش رفاهيتها مجتمعنا منذ سنوات الطفرة، وما تميزت به أوضاع البعض للأسف، من سلبيات في مظاهر البطر والبذخ والاستهتار بتلك الموارد والثروات على هذا الصعيد، وعلى الصعيد الآخر كذلك ما حصل أيضا، من تراجع في مجمل مظاهر ومنظومة القيم الإنسانية والأخلاقية والسلوكية، وإمعاننا وتمادينا في التواكل والانصراف للنواحي المادية والاستهلاكية، ربما على حساب قيمنا ومبادئنا وعاداتنا وتقاليدينا الدينية والأخلاقية والتراثية والاجتماعية، إلى غير ذلك من التحولات التي مست معظم مظاهر حياتنا بصورة عامة وشاملة بكل أسف..!!

ولكن ذلك كله بالطبع لم يكن مرده وأسبابه، هو انتقاما من الله لتلك العمالة وكنتيجة لما لحق بها من أذى وظلم وحيف، سببه ومسوغه هو هذا المجتمع كما أراد صاحبنا أن يتشظى ويتشمت وينسب كل تلك التحولات والمتغيرات إلى تلك الأسباب والمسوغات، هذا وإن شملت تلك جوانب منها، بما يمس انسلاخنا من كثير من أخلاقياتنا، التي انعكس تأثيرها المباشر على سلوكياتنا العامة، سواء مع الغير أو مع بعضنا البعض..!!

لكن ذلك في مجمل الأحوال لم يكن له علاقة بالقضايا العمالية بتاتا، بل أن هناك مسوغات وأسباب كثيرة، قد أدت بنا إلى هذا التراجع والتحول الكبير الذي طرأ على مجمل حياتنا وعلاقاتنا العامة والخاصة أيضا، وإن كان ذلك لم يقتصر على مجتمعنا المحلي، فهذا كما هو معلوم قد طال وعم وشمل كل ومعظم المجتمعات العربية عامة.

وأما الأسباب بالطبع لهذه القضايا فهي كثيرة ومتعددة أيضا، ولها أسبابا ومسوغات أخرى، لها مساس واضح بعوامل وظروف مختلفة، لعل منها ما يتعلق بالتحولات والانتقالات الريفية والبدوية والمدنية والحضرية، وغير هذا مما يخص المتغيرات في طبيعة الظروف وتأثير الحضارة الغربية على أنماط وتقاليد وعادت الشعوب، بما احتوته من إيجابيات وسلبيات، أضف إلى ذلك تأثيرات الإعلام وما يتعلق بالمتغيرات السياسية والنظام السياسي العربي ذاته أيضا، بجانب ذلك ما يمر به العالم اليوم من أحداث جسام وتطورات خطيرة، جميعها قد أدت إلى حصول هذه الأوضاع والأحداث الاستثنائية، التي تعيشها الأمة في هذه المرحلة الدقيقة من حياتها.

فلا يجب إذن بأن تؤل تلك المتغيرات إلى عوامل أخرى، تعود لمسوغات انتقامية فردية، تحرفها عن مسارها الحقيقي الصحيح بسبب رغبة فردية جامحة، ولا لأي من الأسباب الأخرى، المتعلقة بقضية هامشية من تلك القضايا الحقوقية العمالية، جاءت كردة فعل ضد فئة بعينها من الفئات، كما هي هذه المحاولة في تجيير أهدافها وأسبابها لمثل تلك الدواعي والمبررات، والتي جاءت في محصلة ادعاءات هذه الرسالة، وبالتالي محاولة جرنا للاعتراف والتسليم بكل ادعاءاتها واتهاماتها ومسوغاتها، وإلى غير ذلك من المصطلحات الخاطئة التي بينتها الرسالة، حتى ندفعها كثمنا باهضا، لما اقترفناه أو اقترفها مجتمعنا بشكل عام بحق تلك العمالة الوافدة، كما يقول صاحب الرسالة جزافا وادعاء..؟!!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
أبو بتول القطيفي
[ الخط ]: 15 / 10 / 2015م - 3:11 م
سلمت يمينك، ، اشاطرك في كلامك و لكن إن كان هناك تحرك لنبذ تلك التصرفات فالمجتمع في اغلبه ينظر للوافد نظرة دونية و إن لم يعتد عليه باليد و ينظر له بنظرة عنصرية ايضا.. فالاعتداء ليس شرطا باليد انما بالقلب و اللسان ايضا.
2
علي حسين
20 / 10 / 2015م - 6:27 م
أنا لا أقصد الشماته ولكنها الحقيقة ويجب أن تكونوا ممعنين ولسوا متعاطفين ولاتلصقوا مالايستحق والمخرج هوالانجع وشكراً على دوركم الفعال في قبول المرئيات وهذه ملاحظة لا أقصد التجريح أو الشماتة وفقكم الله.
كاتب ومؤلف سعودي «سيهات»