آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 12:42 ص  بتوقيت مكة المكرمة

قربان عاشوراء

محمد أحمد التاروتي *

جاء الهجوم الارهابي الذي استهدف الحسينية الحيدرية بحي الكوثر في سيهات ترجمة فعلية للشريط المسجل الذي بثته داعش قبل ايام قلائل، فقد حمل التسجيل سيلا كبيرا من الاتهامات والتحريض المباشر على القتل بحجة ”طرد المشركين من نجد“، حيث سرعة الاستجابة للتحريض وجود عناصر جاهزة لتنفيذ ما يطلب منها والاقدام على الانتحار والعبث باستقرار الوطن لتنفيذ اجندات خارجية، فالمنظمات الارهابية تهدف الى بث الرعب والنيل من السلم الاهلي ونسف الاستقرار الامني الذي تعيشه المملكة، بينما تشهد الدول المجاورة حالة من الضياع وغياب الاستقرار الامني والسياسي.

عملية القتل الاخيرة لا يبدو انها ستكون الاخيرة ولم تكن الاولى من نوعها، حيث سبقتها عدة عمليات ذهبت ضحيتها اعداد من الشهداء «الدالوة - القديح - العنود»، فالخلايا النائمة والنشطة تعمل ليل نهار على اشاعة الفوضى واسالة انهر الدماء دون وازع اخلاقي وديني، فالجماعات الارهابية لم تعد تفرق بين اطفال ونساء ورجال، فكل المحرمات باتت مباحة وفق الفكر الطائفي الذي يغذي هذه المجموعات المتطرفة، وبالتالي فان المراهنة على وقف مسلسل القتل الجماعي تبدو غير واردة، خصوصا وان الجماعات الارهابية بقيادة ”داعش“ اختطت طريق القتل والسير على جبال الجماجم في سبيل تحقيق مآربها الشيطانية.

الهجوم الارهابي لن ينجح في اشاعة الفوضى واشعال نار الانتقام وانتهاج ردود الافعال، فمستوى الوعي الاجتماعي استطاع في المرات السابقة توفيت الفرصة على الجماعات الارهابية في اشعال الفتنة الطائفية، خصوصا وان الجميع بات على دراية تامة بمخططات تلك الجماعات الارهابية، وبالتالي فان عملية ضبط النفس العالية التي ظهرت في العمليات الارهابية السابقة والعملية الاخيرة تشكل ضمانة حقيقية في القدرة على امتصاص حالات الغضب التي تنتاب البعض جراء عمليات القتل الجماعية التي يلجأ اليها الارهاب في اظهار حقده الدفين تجاه الشيعة.

القضاء على البيئة الحاضنة للجماعات المتطرفة يمثل الخيار الانسب في المرحلة الراهنة، خصوصا وان تكريس مبدأ نبذ الطرف الاخر واخراجه من ملة الاسلام يشكل عاملا اساسيا وراء ارتفاع وتيرة الهجمات الارهابية، فالمنابر الاعلامية التحريضية ما تزال تمتلك القدرة على التأثير في الوسط الاجتماعي، وبالتالي فانها تمثل احد القنوات المؤثرة في تنامي الفكر الارهابي لدى الشباب في الوقت الراهن.

محاولة تصدير الارهاب والصاق التهمة باطراف خارجية بمثابة الهروب للامام، فالاعتراف بوجود المشكلة يمثل الخطوة الاولى نحو الحل، فيما لا يشكل التنصل ومحاولة اتهامات الاخرين سوى امعانا في تكريس الطائفية في المجتمع، بمعنى اخر فان المكاشفة والتعامل بشفافية تامة ومحاولة ايجاد الحلول الثقافية القادرة على انتزاع الفكر المتطرف من الشباب عبر اجراء تعديلات جوهرية وعاجلة في البينة الثقافية في المؤسسات الرسمية.. تلك المكاشفة مطلب اساسي للتعامل مع المرحلة الحالية لاسيما وان تنامي العمليات الانتحارية لدى شريحة الشباب يؤسس لحالة غاية في الخطورة، وبالتالي فان الوقوف مليا امام هذه الظاهرة امر مطلوب.

ردود الافعال الانفعالية «النفاق السياسي» وارتفاع الوتيرة الوطنية المؤقتة ليست سوى عمليات تخدير لا تغني ولا تسمن من جوع، فقد عاش الجميع تلك المواقف خلال العمليات الارهابية السابقة، بيد انها سرعان ما فقدت بريقها بعد فترة بسيطة لتعاود القنوات التحريضية ممارسة دورها في بث السموم في المجتمع، بهدف اشاعة الفتنة الطائفية والقضاء على السلم الاجتماعي الذي يشكل الضمانة الحقيقية للعيش بسلام.

كاتب صحفي