آخر تحديث: 9 / 8 / 2020م - 10:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

الارهاب الشامل

محمد أحمد التاروتي *

يمثل سائق التاكسي الباكستاني الجنسية نموذجا صارخا على سياسة الارض المحروقة التي تنتهجها جماعات الارهاب الاعمى، فالجسم النحيل الذي استقبل 7 رصاصات يعطي دلالة على غياب الرحمة من قلوب من تدعي رفع راية الاسلام، فالسائق لم يرتكب جريمة تستحق اصدار حكم الاعدام بحقه، فالرصاص الذي استقبله جسمه لم يكن للايذاء بقدر ما كان يهدف للقتل عن سابق اصرار.

مهما حاولت الابواق الاعلامية المروجة للفكر المتطرف والتكفيري اظهار العمل الارهابي بمظهر الانتصار للدين، فان السقطة المدوية لعملية سرقة سيارة الاجرة وترك السائق يجود بنفسه في الطريق، كشفت زيف ادعاءات الاعلام المضلل الذي يتخفى خلف ستار الدين بشعارات براقة، اذ لا توجد شريعة سماوية منذ خلق الله الانسان على ظهر الكوكب تسوغ ازهاق النفس المحترمة والاستيلاء على اموال الغير.. فالمسلم من سلم الناس يد ولسانه.

يمارس الارهابيون سياسة ”الغاية تبرر الوسيلة“ دون مراعاة المرتكزات الشرعية، فالجماعات الارهابية تحاول القفز على الثوابت الاسلامية عبر ايجاد مخارج ومبررات ما انزل الله لها من سلطان، فهي تعتبر عملية قتل الابرياء مسوغة شرعيا ما دام هناك هدف اسمى، وبالتالي فان الفتاوى المعلبة تكون جاهزة ويصبح كل شخص مؤهل لاصدار الفتاوى تبعا للاهواء الشيطانية.

فسائق التاكسي ما يزال يعيش هول الصدمة، فهو لم يتوقع ان يجد نفسه ضحية الارهاب، بيد ان الجماعات الارهابية التي تنتهج الارهاب الشامل لا تفرق بين وافد ومواطن وطفل وكبير ورجل وامرأة، فجميع الناس بنظرها لا تستحق الحياة وبالتالي فان القتل الجماعي يمثل الرسالة الواضحة التي يسعى الارهاب لايصالها للبشرية جمعاء، اذ لا يمكن تصور شخص يقوم بتوزيع شهادات الموت للجميع دون تفريق بين طرف مذنب وبرئ.

ان منهج تكفير الاخرين واخراج الجميع من ملة الاسلام وسيلة اساسية لاصدار احكام الاعدام وانتهاج سياسة ”انا الطوفان من ورائي“، بمعنى ان محاولات العيش المشترك مع الجماعات المتطرفة ليست سوى مضيعة للوقت، فالفكر الاقصائي لا يعترف بالاخر فكريا وبالتالي يتوجب عليه الموت، اذ يمكن تلمس التجارب الفاشلة التي اصابت برنامج المناصحة المتبع مع حملة الفكر المتطرف، فقد اعطى البرنامج نتائج ايجابية محدودة للغاية، خصوصا وان اعدادا ليست قليلة من مستفيدي برنامج المناصحة اقدموا على ارتكاب عمليات ارهابية او استطاعوا الخروج من البلاد باتجاه المواقع التي تسيطر عليها تلك الجماعات المتطرفة.

التعرض لسائق التاكسي قبل ارتكاب الجريمة النكراء التي اودت بحياة 5 شهداء واصابة 9 اخرين في حسينية الحيدرية بحي الكوثر بسيهات.. لن تكون الوحيدة او المستغربة على الاطلاق، فالطريقة المتبعة لدى حملة الفكر المتطرف تقوم على استرخاص اراقة الدماء بدعوى اقامة الخلافة الاسلامية، خصوصا وان المنهجية الاسلامية الصحيحية غير مطبقة في مختلف الدول الاسلامية - حسب اعلام الفكر المتطرف -، الامر الذي يستدعي التحرك لتصحيح المسار عبر استباحة الدماء واشاعة الفوضى وزرع الخوف بواسطة العمل الارهابي الشامل الذي لا يستثني احدا على الاطلاق.

كاتب صحفي