آخر تحديث: 3 / 8 / 2020م - 11:01 م  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافة التوحش

محمد أحمد التاروتي *

ارست داعش واخواتها والنصرة وشقيقاتها قواعد التوحش خلال سنوات قليلة، فقد ساهمت في ابتكار اساليب متعددة في عمليات القتل واراقة الدماء، فوسائل الاعلام بدأت تبزر بين فترة واخرى الاساليب الجديدة للتوحش، فبعد السيارات المفخخة والعبوات اللاصقة والناسفة، انتشرت عمليات قطع الرؤوس والذبح الجماعي وكذلك الاعدام بواسطة الحرق وغيرها من الاساليب المبتكرة التي تنم عن فكر شيطاني متعطش للدماء مزروع في عقول هذه الجماعات الارهابية التي برزت في العالم العربي كظاهرة خطيرة على السلم الاجتماعي.

وسائل الاعلام المختلفة سواء «المناصرة او المعادية» للفكر الارهابي ساهمت بشكل كبير في نشر ثقافة التوحش ليس على المستوى العربي وانما على المستوى العالمي، اذ اضحت عمليات الذبح والقتل بضاعة رائجة جراء وجود اطراف قادرة على ترجمتها على الارض، بيد ان الخطورة تكمن في تغلغل هذه الثقافة في عقول الاجيال الشابة وكذلك لدى الاطفال، الامر الذي يمثل مشكلة كبرى، مما يعني صعوبة اقتلاع هذه الثقافة في المدى المنظور، لاسيما في ظل امتلاك تلك الجماعات ماكنة اعلامية ضخمة تساعدها على نشر ثقافة التوحش في العالم.

استطاعت الجماعات التكفيرية والارهابية على اختلاف مشاربها من فرض واقعها السياسي بواسطة عمليات القتل الجماعي، فحالة الارهاب التي خلقتها لنفسها عبر عمليات الذبح الجماعي تجاه الاطراف المعارضة لمشروعها السياسي ساهمت في استمرار توسعها الجغرافي على الارض، اذ باتت كيانات فاعلة في العديد من الدول العربية «سوريا - العراق - اليمن - ليبيا - مصر - باكستان - افغانستان» فضلا عن الخلايا النائمة التي تستيقظ بين فترة واخرى عبر بيانات الكترونية لعمليات ”انتحارية“.

العقيدة الدموية التي وضعتها شكلت العنصر الاساس في انتشار سطوتها وبالتالي زرع الخوف في نفوس الناس، فهذه الجماعات الارهابية تمارس سياسة التوحش الشامل دون التفريق بين انسان برئ او مجرم، فالاهداف الحقيقية لوضع السكاكين على الرقاب ليس لاقامة شرع الله بقدر ما يتمثل في ارساء مشروع سياسي بغطاء ديني، خصوصا وان الراية الدينية اكثر قدرة وتأثيرا على استقطاب الهمج الرعاع واصحاب الثقافة البسيطة للاشتراك في المشروع، لاسيما وان استمرار هذه الجماعات يعتمد على ديمومة تدفق العناصر من جميع بقاع الدنيا.

ان التحدي الذي يواجه البشرية يتمثل في التحرك الجاد لوضع نهاية لانتشار هذه الثقافة الشاذة التي لا تنسجم مع الهدف الاسمى للانسان في الحياة، فالمجتمع البشري مطالب بعمارة الارض وارساء السلام والمحبة، عوضا من ثقافة الذبح والسكاكين التي تشكل تهديدا للمجتمعات وتقضي على السلم الاهلي في النهاية.

يمكن القول ان ثقافة التوحش التي انتشرت خلال السنوات الماضية لا تقل اجراما عن عمليات الارهاب التي سجلها التاريخ البشري خلال القرون الماضية، فقد استفادت هذه الجماعات الارهابية من اساليب القتل القائمة على قاعدة ”ان لله جنودا من عسل“، فالتاريخ يسجل كيفية استشهاد محمد بن ابي بكر، فقد تم حرقه في جلد حمار من قبل معاوية بن ابي سفيان ابان خلافة الامام علي بن ابي طالب.

كاتب صحفي