آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 5:52 م  بتوقيت مكة المكرمة

واشنطن.. سياسة الاحتواء

محمد أحمد التاروتي *

فرضت ثورة الغضب الفلسطينية لنصرة المسجد الاقصى واقعا جديدا على المنطقة العربية، فقد ادخلت تل ابيب في دوامة الاضطراب وبدء مرحلة جديدة مغايرة للسنوات الخمس الماضية «الربيع العربي»، فاستمرار المظاهرات في العديد من المدن المحتلة يمثل مصدر قلق كبير للحكومة الاسرائيلية التي تسعى بمختلف الوسائل اخماد الثورة العارمة، ولعل قرار السلطات الاسرائيلية السماح للفلسطينيين باداء الصلاة بالمسجد الاقصى دون تحديد اعمار احدى الخطوات الساعية لامتصاص حالة الهيجان لدى الشعب الفلسطيني الذي يسعى لتغيير قواعد اللعبة بما يحقق تطلعاته في نيل الحرية وخروج المحتل الجاثم على صدره من 5 عقود تقريبا.

تل ابيب استنجدت بالولايات المتحدة لاخراجها من المأزق الذي ادخلت نفسها فيه، جراء تكرار الاستفزازات الاسرائيلية بتدنيس المسجد الاقصى عبر الاقتحامات المتكررة لقطعان المستوطنين، الامر الذي دفع الادارة الامريكية لمحاولة الضغط على السلطة الفلسطينية لاعادة الامور لسابق عهدها، بالاضافة للاتصالات المكثفة مع الدول العربية للضغط على السلطة الفلسطينية لمحاولة تحجيم او تقديم بعض الوعود بهدف اخماد الثورة الكبرى التي اشتعلت في نفوس الشعب الفلسطيني منذ عدة اسابيع.

جولة جون كيري وزير الخارجية الامريكي للمنطقة العربية والاجتماعات المكثفة التي اجراها مع الدول العربية والسلطة الفلسطينية تسعى لاحتواء الثورة الغاضبة، للحيلولة دون تحولها الى انتفاضة ثالثة تعيد الاذهان للانتفاضة الاولى والثانية في القرن الماضي، فالولايات المتحدة تحاول ايجاد حلول سياسية تبقى الامور على حالها دون الاضرار بمصالح اسرائيل، فهي - واشنطن - تتحرك باتجاه منع استمرار الاضطرابات في الاراضي المحتلة، خصوصا وان ديمومة شعلة الانتفاضة يكلف الاقتصاد الاسرائيلي كثيرا، الامر الذي تحاول تل ابيب تفاديه عبر عدة خطوات سياسية او امنية.

السلطة الفلسطينية التي راهنت كثيرا على الحلول السياسية خلال العقود الثلاثة الماضية منذ اتفاق اوسلو لم تحصل على نتائج ملموسة على الارض، فالمفاوضات الماراثونية التي عقدت طيلة السنوات الماضية خلفت المزيد من البؤر الاستيطانية وقضم الاراضي فيما بقيت الاحلام بالحصول على دولة مستقلة حبرا على ورق، فبالرغم من الانتصارات الرمزية التي حققتها في رفع العلم الفلسطيني في الامم المتحدة، فان تلك الخطوات لا تشفع لها بالتحرك لتهدئة الشارع الفلسطيني الغاضب من استمرار الانتهاكات الاسرائيلية على مدى السنوات الماضية.

من الصعب المراهنة على نجاح الولايات المتحدة الامريكية في مساعيها الهادفة لاحتواء التحركات الشعبية في الاراضي الفلسطينية المحتلة، فنجاح المساعي الامريكية مرهونة بالتنازلات التي ستقدمها اسرائيل للسلطة الفلسطينية كخطوة اولى لتعزيز الثقة بين الطرفين، خصوصا وان الوعود الكاذبة الاسرائيلية طيلة السنوات الماضية رسخت القناعة بعدم جدية تل ابيب في الحلول السلمية وان المفاوضات ليست سوى لاستنزاف الوقت وادخال اليأس في نفوس المفاوض الفلسطيني في النهاية.

ثورة الغضب الفلسطيني اعطت السلطة الفلسطينية ورقة سياسية قوية بامكانها استغلالها للحصول على بعض التنازلات السياسية، بيد ان الشعب الفلسطيني بات على استعداد لتقديم المزيد من التضحيات في سبيل نيل الكرامة والخروج من ذل الاحتلال الذي يمارس شتى انواع الجرائم، فالشهداء الذين يتساقطون يوميا مصداق على اصرار الشعب على السير قدما حتى النهاية، فكما اجبرت الانتفاضة الفلسطينية الحكومة الاسرائيلية على الجلوس على طاولة المفاوضات ستفرض الثورة الحالية واقعا جديدا على تل ابيب.

كاتب صحفي