آخر تحديث: 9 / 8 / 2020م - 10:20 م  بتوقيت مكة المكرمة

برنامج المناصحة

محمد أحمد التاروتي *

تدور شكوك حقيقية في جدوى الاستمرار في برنامج المناصحة وتأهيل حملة الفكر المتطرف مجددا بما ينسجم مع المنهج الوسطي للإسلام، فالنتائج العملية للبرنامج لم تكن بالمستوى المطلوب، خصوصا وان الميزانية الضخمة المخصصة للبرنامج لم تكن كافية لإبراز الوجه الناصع للوسطية الاسلامية.

العمليات الارهابية التي ارتكبت في عدد من المناطق المملكة ابطالها مخرجات برنامج المناصحة، مما يدلل على وجود ثغرة كبرى سواء في الجهات القائمة على تنفيذ البرنامج بالنسبة للقدرة على الاقناع او بسبب قدرة الفكر المتطرف على خلق مناعة كبرى تحول دون اختراقه بالسهولة، مما يستدعي التوقف مليا امام ظاهرة عودة مخرجات المناصحة لارتكاب الجرائم الارهابية والتي تسهم في خلق حالة من الفوضى وازهاق الانفس البريئة.

لا ريب ان محاربة الفكر تتم بالفكر والمحاورة الطويلة لأبطال الحجة بالحجة، فانتهاج الخيار الامني كوسيلة وحيدة للقضاء على الفكر المتطرف امر مستحيل، اذ لا يمكن اقناع اصحاب الفكر المتطرف بالسلاح فقط، مما يفرض ايجاد مسار اخر يتمثل في خلق مناخ فكري يعتمد الحوار كأسلوب في ابطال المنهج الاقصائي والمتطرف، وبالتالي فان برنامج المناصحة مثل نقطة ايجابية في الطريقة المثلى للتعاطي مع انتشار الفكر المتطرف لدى شرائح اجتماعية وفقا لرؤية قائمة على تكفير الجميع ووصف العديد من الشرائح الاجتماعية بالردة، مما يتطلب الوقوف امام هذه الظاهرة عبر تصميم برنامج قادر على مقارعة الفكرة بالفكرة.

مرور سنوات عديدة على دخول برنامج المناصحة حيز التنفيذ اعطى رؤية شبه كاملة لمستوى النتائج على الارض، فالعناصر المنخرطة في البرنامج تختلف باختلاف المستويات الفكرية وكذلك بالمؤهلات التعليمية، فهناك تجارب ناجحة ساهمت في عودة بعض المتطرفين لممارسة الحياة الطبيعية بعد الدخول في البرنامج، فيما توجد اخفاقات بارزة للعيان وتشكل نقطة سواء في جدار البرنامج الذي يعول عليه الكثيرون في نزع الفكر المتطرف من عقول الشباب، ولعل اخر التجارب الفاشلة كانت في العملية الانتحارية التي استهدفت مسجدا في نجران مؤجرا، فالإرهابي ممن انخرط في برنامج المناصحة وخرج قبل 6 اشهر، وبالتالي فان البرنامج لم يستطع الوصول الى اهدافه الحقيقية في اخراج عناصر قادرة على التأقلم مع المجتمع مجددا بعد اعتناق الفكر المتطرف الداعي لإراقة الدماء تجاه المجتمع ولاسيما تجاه الاطراف المختلفة فكريا وعقائديا.

اعادة رسم استراتيجية جديدة لبرنامج المناصحة مطلب اساسي للتعامل مع المعطيات والمستجدات الجديدة التي فرضها انتشار ”داعش“ في اوساط المجتمع العربي خلال السنوات الثلاثة الماضية، حيث استطاع التنظيم الارهابي اختراق جميع الموانع الاعلامية وكسر الحظر المفروض عليه للوصول الى العقول الشابة، بهدف تسخيرها لأهدافه المشبوهة والمتمثلة في زرع الفتنة والقضاء على السلم الاهلي في المجتمعات العربية ولاسيما بالنسبة للمجتمعات التي تمتاز بالاختلاف المذهبي والطائفي، بحيث اضحت اراقة الدماء مظاهر يومية مع سياسة الذبح والتفجير التي يعتمدها في فرض منهجه القائم على الدماء والقتل.

كاتب صحفي