آخر تحديث: 3 / 8 / 2020م - 11:01 م  بتوقيت مكة المكرمة

التغيير الديمغرافي.. والانتماء للارض

محمد أحمد التاروتي *

التغيير الديمغرافي سلاح من الاسلحة المستخدمة منذ قرون طويلة، حيث تلجأ اليه الدول للتغلب على الاضطرابات وعدم الاستقرار في بعض المناطق الخارجة عن السيطرة او التي تدور الشكوك في ولاءها، الامر الذي يدفع تلك الدول الى تغليب عرق من الاعراق او طائفة من الطوائف على الطائفة ذات الاغلبية في تلك المناطق.

الاتحاد السوفياتي السابق مارس سياسة التغيير الديمغرافي في الكثير من المناطق الواقعة تحت سيطرته، بحيث اضحت الجالية الروسية عقدة ماثلة في العديد من الدول المستقلة في الوقت الراهن، فالزعيم السوفياتي السابق ستالين عمد لانتهاج هذه السياسة لضمان الاستقرار في المساحة الجغرافية الكبرى التي كانت تخضع للنفوذ الاحمر بعد بروزه على الخارطة السياسية خلال العقود السابقة.

الكيان الاسرائيلي الغاصب عمد منذ احتلاله الاراضي الفلسطينية على ممارسة التهجير وافراغ المدن من السكان الاصليين واحلال شذاذ الافاق في المدن الفلسطينية، كما مارس سياسة التغيير الديمغرافي في مدينة القدس منذ احتلالها عام 1967 عبر سياسة القضم المدروسة، بحيث اضحى الوجود اليهودي في المدينة المقدسة مصدر قلق للوجود الفلسطيني، فهذه السياسة تهدف الى فرض الامر الواقع، لاسيما وان عملية الاستيطان تسير بموازاة الاجراءات التعسفية التي تنتهجها في عملية اجبار الفلسطينين على الهجرة او ترك المدينة المقدسة.

التجارب التاريخية تعطي نتائج عكسية على سياسة التغيير الديمغرافي، فقد خلقت مشاكل اجتماعية عديدة في مختلف المناطق التي سجلت مثل هذه الممارسات، بحيث اجبرت الجزء الاكبر على الهجرة جراء عدم تقبل اصحاب الارض للوافد او المستوطن الذي جاء تحت حماية السلاح، فالكثير من الجاليات ذات الجذور الروسية عادت لموطنها الاصلي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي او حاولت التأقلم مع الوضع الجديد، وبالتالي فان المستوطن اليهودي مصيره الهروب من المناطق التي يحتلها، خصوصا وان الاحتلال مصيره للزوال سواء طال الزمن او قصر.

الاستيطان القائم على الاستعلاء والتوظيف السياسي غير قادر على الاستمرار، فهذه الكتل البشرية ستجد نفسها بدون غطاء سياسي بمجرد اختفاء السلطة الداعمة، وبالتالي فان التعويل على امتلاك الارض لمدة طويلة امر ترفضه الحقائق التاريخية، بمعنى اخر فان عملية التغييرات الديمغرافية مرهونة بالفشل الذريع، فالسكوت على قضم الاراضي واذلال اصحاب الحق لا يعني الرضا بتلك الاجراءات وانما يمثل الهدوء الذي يسبق العاصفة، خصوصا وان جميع الخيارات ستكون متاحة لاصحاب الارض للتعبير عن الرفض التام لمثل هذه الاجراءات السكانية المجحفة، فضعف السلطة السياسية او سقوط النظام سيشعل النيران بما يسهم في عودة الامور لوضعها الطبيعي مجددا.

المستوطن مهما امتلك من قدرات مالية ونفوذ اجتماعي وسياسي يشعر في قرارة نفسه بنوع من النفور الاجتماعي من قبل اصحاب الارض، وبالتالي فانه سيركب اول طائرة نحو الخارج بمجرد الشعور بتزلزل الارض التي يقف عليها، فهناك الكثير من التجارب التي تعزز الاعتقاد بعدم التعويل على الوافد في المحن والازمات التي تواجه البلاد، فالانسان لا يستطيع الدفاع عن ارض لا ينتمي لها وانما يعمد لدفع الغالي والنفيس في سبيل الارض الذي يشعر بالحنين لها.

ولعل الهجرة العكسية التي يشهدها الكيان الاسرائيلي بشكل لافت خلال السنوات الماضية دلالة على ضعف الانتماء الوجداني الذي يشعر به اليهود في فلسطين، اذ بمجرد بروز ازمات سياسية او اقتصادية او اجتماعية يعمد لترك الجمل بما حمل ويشد الرحال مجددا لمواقع اكثر امنا، فيما لا يحتل الدفاع عن المكان الذي عاش بها سنوات طويلة حيزا كبيرا من تفكيره.

كاتب صحفي